إحداثيات                  30° 1' 16.8996"

بقلم يحيي فؤاد الشلقاني 

بمزيد من الأسى و الهوان و التراجيديا.. أنعي ما وصل إليه الحال في تلك المنشأة الطبية العملاقة التي أعمل بها كجندي ضمن كتيبة الجنود التي تتكون من قيادات .. أطباء .. تمريض .. فنيين .. موظفين ..

عمال يخدمون الوطن بطريقة مباشرة و غير مباشرة دون أن يشعر بنا إلا من سخرنا في هذا المكان لنشارك في مسح آلام و تيسير أمور الناس.. فنحن حائط الصد الأول لملايين من أبناء الوطن من العامة الفقراء و البسطاء من متوسطي و معدومي الدخل الذين يعانون من الأمراض أو يتعرضون للحوادث من مختلف تراب مصر.. فنحن لا نحتاج للشهرة و لا نطمع فيما ليس من حقنا .. و لوقت طويل جداً كنت أعتقد أن أعضاء هذه المنظومة من ملائكة الرحمة المسخرون لقضاء حوائج الناس و التهوين عليهم .. و سبب من أسباب الله في علاج أمراضهم ضمن منظومة فريق عمل واحد في كل التخصصات و الوظائف يعملون في سيمفونية تناغمية متوافقة من أجل تحقيق أجمل و أنبل رسالة على الأرض ألا و هي تقديم الخدمة العلاجية مجاناً و معاملة جمهور المرضى بالحسنى ... و بعد أكثر من سبعة و عشرون عاماً من المشاركة في العمل بإخلاص و ضمير و حسن العشرة و المعاملة للزملاء و الجمهور بكل طوائفهم عاملين .. موظفين ... تمريض .... فنيين ...صيادلة ..... أطباء ..... مديرين حتى بعض القيادات كنت قمت خلالها بالمشاركة في بعض الحلول والاقتراحات المفيدة التي ساهمت في انتظام و حسن سير العمل بالإدارة التي أنتمي إليها بالمنشأة الطبية سواء كان ذلك بتقديم حلول الدعم الفني في تكنولوجيا المعلومات و صيانة الحاسبات الآلية و التي ساهمت بنحو كبير في توفير الوقت و الأموال للمنشأة .. أو في تحديث النماذج و القوالب التي تخدم العملية الإدارية.. و كان ذلك احتسابا و مرضاة لله دون انتظار مقابل سوى الدعوات التي كنت أتلقاها بظاهر الغيب سواء من الزملاء أو الجمهور الذين نتعامل معهم في مختلف المواقف و المعاملات ..فبالنسبة لي فأنا أحفظ كل صغيرة و كبيرة من نقاط الضعف و القوة بها و بتفاصيل مواردها و أعلم كل مميزاتها و عيوبها و كل مشاكلها و من يخلص العمل بها أو من لا يتقى الله في عمله ........ و فجأة عندما يقرر القدر وتكتشف فجأة أن هذا المكان بحلوه و مره غريب عليك و كأنك تراه لأول مرة في عمرك .. عندما يتغير موقع المسئولية و تصبح مواطن من الجمهور المترددين و المتعاملين مع المنشأة.. تختلف الظروف تماماً تكتشف أن كل ما كنت تراه وتعيشه كان خيالاً .. تتغير معاملة الزملاء في بعض الأماكن خصوصاً الذين لا يعرفون إنك زميل لهم ..يقابلوك بعدوانية .. إذا سألت أو طلبت شيء من صميم عمله إما تحدث إليك و كأن بينك و بينه عداوة و إما تصل إلى مرحلة الخدمة مقابل الخدمة .. أسلوب قذر .. رأيت العجب عندما تعرضنا لظروف طارئة و تضطر فيها إلى التعامل مع زملاء لك لا يصح أن يتواجدوا في هذا المكان الخدمي لأنهم أحد أسباب كراهية الجمهور لكل العاملين في المنشأة التي تعمل بها .. لا يوجد أدنى اهتمام بالقيم و المعاني لإنسانية ..فثقافتهم التي يؤمنون بها هي ( مفيش أي مصلحة لو حتى سيجارة ) .. إمتي بأة الشيفت يخلص عشان نروح بيوتنا .. هكذا أنت الأن .. مواطن عادي فتجد نفسك تعامل بشكل مختلف غير الذي تعودت عليه من قبل .. هنا في هذه الإحداثيات .. هؤلاء هم خط المواجهة الأول للقادمين الذين أحضرتهم الظروف و الأسباب القهرية للمكان يبحثون عن أول انطباع .. كلمة طيبة .. سرعة رد الفعل والاستجابة للتعامل مع المريض أو المصاب القادم للطوارئ .. فكل ثانية في هذا المكان هي مسألة حياه أو موت لأحد الأشخاص ..أنه قلب الأحداث و الواقع المر .. تواجه الذل و الهوان و أحياناً تسمع كلام بذئ و أنت تتحمل وتكتم غضبك و غيظك من أجل ما جئت له فمع الأسف أنت تحتاج إليهم ... الوضع الأن مختلف تماماً من هذه الزاوية.. فعندما يتعرض زميل لك في العمل أو قريب لك في محيط الاسرة أو في نطاق الجيران لحادث لا قدر الله و يتم نقله إلى م. الإستهبال فجراً و هو في أشد الاحتياج إلى إسعافات أولية لسرعة إنقاذ ما يمكن إنقاذه .. فجأة تصطدم بالمكان .. و كأنه مكان مختلف عن الذي تعرفه .. روتين من الإجراءات البيروقراطية.. الوقت يتلاشى و المريض يتألم و من معه .. الإرهاق يظهر في أعينهم .. تحاول تعريف نفسك للأخرين بأنك زميل لهم في الإدارة الفلانية و أن هذا المصاب أيضاً هو أحد العاملين بالمنشأة.. لا تجد استجابة .. لا تجد غير البرود و الفتور حتى عندما تدخل حجرة الكشف .. ثم تبدأ دورة العذاب عندما يحتاج المصاب في حادث إلى عمل أشعة أو تحليل أو نقل دم أو طبيب يفحصك ... عندها .. تصطدم بالواقع المرير .. ماتت شعارات كم سمعنا منها الكثير و الكثير من قبل عندما كنت تقوم بإنهاء أعمال أو تقديم الخدمات للبعض منهم ... مثل إحنا زمايل لو احتجت حاجة كلمني .. متقلقش إحنا في ضهرك .. خليك في مكتبك و إحنا نقوم بالواجب ... صدمة آخري ... الأشعة المقطعية التي طلبها الطبيب المتواجد بعد الفحص .. تبين أن جهاز الأشعة المقطعية عطلان ... تتعجب فيما تنتظر رد الفعل القادم من النائب إذا كان سنيور أو حتى جونيور و ربما يكون خداع فأحياناً يكون غير متواجد في مكانه ..فلا تنخدع بالبدلة البيضاء و النظارة الطبية و السماعة .. فربما يكون طبيب امتياز .. وما زال في مرحلة التدريب وليس لديه الخبرة المطلوبة لأنه يتنقل ما بين تخصصات الطب ... اليوم طوارئ .. غداً نساء و ولادة .. الشهر القادم .. أطفال .. طب أورام .. حالات حرجة ... فلا تعتمد عليه في تشخيص حالة .. و إذا حالفك الحظ و الثقة و كنت ذو رؤية و استخدمت بعض مهاراتك النفسية و قمت بالتهديد بصوت عالي نوعاً ما بأنك سوف تقوم باللجوء إلى السلطة المختصة بالمنشأة وتشتكي من عدم وجود النائب الأساسي .. سوف يسارعون الأخرون من زملاءه الامتياز والتمريض بالاتصال لتنبيه هاتفياً و استدعاؤه فوراً .. و في أقل من خمس دقائق سوف يظهر العفريت .. النائب المختفي و هو يتأملك محاولاً قراءتك و تقييمك في هذا الموقف ... هل يقوم باستخدام نبرة الصوت العالي معك مهدداً أو محاولاً فرض السيطرة .. أم يؤدي واجبه المنوط به كنائب نوباتجي بفحص الحالة المتواجدة معك ... بالطبع ليس كل النواب و لا كل الامتياز و لا كل الإسطف بهذا الشكل المأسوف عليه .. فهناك البعض منهم يعاملونك باحتقار و كأنهم عباقرة الطب و الإدارة أو كما يتصور البعض منهم و هؤلاء أظن أنهم مرضى بالنقص و الكبرياء و العظمة أو ربما بالشيزوفرانيا .. فهم أسود على الغلابة و قطط تحت رحمة أسيادهم من الرتب الأعلى في مجال العملية الطبية التي تشبه أنظمة الجيش و الشرطة .. العسكري أسد على العامة و قطة أمام الشاويش الذي بدوره أسد على العسكري و قطة أمام الضابط و هكذا تختلف المسميات و لكن بنفس المبدأ فيما بينهم فالامتياز يعمل حساب النائب الجينيور و النائب الجونيور يعمل حساب للنائب السنيور و النائب السينيور يعمل حساب للمدرس المساعد ثم المدرس ثم الأستاذ المساعد ثم الأستاذ و هكذا .. كذلك لا ينكر المرء حقيقة أن هناك أطباء من مختلف التخصصات والمواقع هم مثال حي لمعنى الإنسانية و التواضع يقومون بقضاء حوائج الناس دون إنتظار لكلمة شكر أو تطبيل إبتغاء مرضاة الله و الإلتزام بالقسم الذين أقسموا عليه سابقاً و ليس من أجل أن يقال عليهم أنهم عباقرة في تخصصهم .. نعود إلى النائب الذي يطلب عمل أشعة مقطعية للزميل خارج المستشفيات لأن الأجهزة معطلة بالمنشأة.. تمام ... لكن المشكلة أنه هدد في حالة عدم وجود الآشعة حتى الساعة السابعة صباحاً فلن يكون متواجداً لأن شيفت حضرته إنتهى و على المصاب بكسر في الركبة إعادة الحضور الإسبوع القادم في نفس الميعاد ... كانت الساعة حوالي الرابعة صباحاً .. فمتى و كيف و أين سيتم عمل الآشعة خارج المنشأة في هذا التوقيت .. و المصاب يتألم و يعاني و لا يستطيع الحراك نتيجة الحادث الذي تعرض له .. و كذلك مرافقيه و جيرانه و أقاربه الذين إضطروا أن يصحبوه في هذا الوقت المتأخر إحتساباً لوجه الله على أمل أنه يعمل بالمنشأة و أنه سوف تسهل له الأمور و لن يعاني .. بالطبع .. عادوا بالمريض إلى قريته البعيدة حيث لا يوجد خدمة طبية طوارئ لسكان هذه القرية التي شاء حظها أن تكون في نطاق القاهرة الكبرى و لكن هيهات فالقاهرة تبدو كالعروسة ( من برا هلاا هلاا و من جوا يعلم الله ) الأماكن الظاهرة يوجد بها كل الخدمات المتاحة و أما في نطاق القرى و المراكز فالوضع مختلف تماماً... أخيراً تم عمل الآشعة المقطعية في مركز خاص بمدينة قليوب بسعر أثقل كاهل المريض و ذويه... فقد دفعوا مبلغ من المال لا يستهان به كونهم من الناس البسطاء.. رغم أنه كان من حقه و الأولى به كموظف أن يتم عمل الآشعة مجاناً داخل المنشأة الطبية و لكنه القدر و الأسباب... عادوا ظهر نفس اليوم بالآشعة إلى م.الإستهبال على أمل أن يجدوا النائب السهران و لكن بلا جدوى .. و إضطروا لإعادة الكشف مرة آخرى لإنصراف النائب السهران و وجود نائب حوادث آخر... و بعد تسجيل المصاب في تذكرة جديدة بتاريخ اليوم .. دخل حجرة الكشف مرة آخرى و تم قص ما حدث فجر هذه الليلة للسادة النواب و الإمتياز المرابطين يوم الحوادث الخاص بقسمهم ... تم إرسال صور الآشعات بالواتس أب للإستشاري عن طريق نائب الحوادث ... و تأكد أن هناك كسر في صابونة الركبة الشمال و لا بد من إجراء عملية جراحية ... قمنا بالإستئذان من النائب لمحاولة حجزه في م. الأهطل التخصصي القريبة لمستشفى الإستهبال و لأن المصاب موظف بالمنشأة و له تأمين و من حقه الإقامة بها فهي ذات طابع اقتصادي والرعاية بها أنسب من الأٌقسام المجانية بالمنشأة ... فترك لنا الخيار .. ذهبنا بالأشعة لمستشفى الأهطل التخصصي .. قابلنا نائب العظام المختص عرضنا عليه الأمر .. فحص الأشعة .. أرسلها بالواتس أب للمدرس مع الملاحظات التي قمنا بإفادته بها .. بأن المصاب مريض بالسكر و قد سبق و أن أصيب في حادث العام الماضي أثناء عمله في نوباتجية ليلية بالمنشأة و قد تم عمل عملية جراحية لتركيب مسامير و شرائح في قدمه اليمنى في هذا المكان على نفقة التأمين ... و بعد وهلة من المداولات هاتفياً بين النائب و المدرس عاد النائب و حدثنا بأن المدرس تذكر حالة المريض و أنه لا يريد هذه الحالة .. تعجبنا لماذا... قال على لسان المدرس بأن هذا المريض بعد أن قام بإجراء العملية الأولى منذ عام تقريباً لم يستمع إلى إرشادات المدرس بعمل علاج طبيعي بعد العملية مباشرة مما تسبب في نسبة عجز بالقدم اليمنى و هذا يضر بسمعة سيادته ... إذن ماذا نفعل سيادتك .. المريض يعاني و لا بد من إجراء سريع... فما هي الحلول المتاحة يا سيادة النائب .. أخذ يفكر و يفكر حتى وعدنا بانه سيحاول أن يجد استشاري آخر يأخذ الحالة بعد عرضها عليه و على شريطة أن يكون هناك مرافق يخدمه و أنه لا بد من إجراء جراحة لربط صابونة الركبة المكسورة ... ( قال رضينا بالهم و الهم مش راضي بينا ) .. ما علينا وافقنا و طلب مساحة من الوقت ليقوم ببعض الاتصالات و سوف يرد علينا هاتفياً ... ما زال المصاب يعاني في الإسعافات فماذا نفعل الأن ... سألناه هل يتم عمل جبيرة مؤقتاً له حتى يقرر في حالته .. وافق على مضض .. سألناه هل هناك خطورة .. فطمأنا بأنه يستطيع أن يبقى في الجبيرة لمدة أسبوعين قبل قيامه بالعملية ... عندها سألناه آخر سؤال .. لو المريض رافض العملية هل تقوم الجبيرة بدورها في لحام العظمة المكسورة ... فأومأ رأسه بالإيجاب و هو يلفت نظرنا أنه في هذه الحالة سوف يصاب بخشونة في الركبة مدى الحياه .. تركناه على أمل أن يعاود الاتصال عندما يجد استشاري يتبنى الحالة ...عدنا لنائب الحوادث .. خاب ظنه فقام بطلب عمل الجبيرة للمريض الذي كان يعاني من الألم و العويل و نصح بأن يرتاح لمدة أسبوعين مع استخدام الأدوية التي كتبها له و ذلك حتى حضوره القادم لتحديد ميعاد للتدخل الجراحي ... مسكين زميلنا المصاب فإن آلام كسر العظام ليس ما بعدها آلام .. اسأل الله أن يجعلها في ميزان حساناته و كل من مثله ... غادرنا الإسعافات و عاد الركب إلى قرية المصاب و عدت إلى مكتبي و أنا أتألم من داخلي .. فليس بيدي شيء لإنقاذه من آلامه سوى الدعاء له و لسائر مرضانا و مرضى المسلمين .. أما أبشع ما تواجهه في المكان الذي نعمل به عندما تقوم لاحقاً باستخراج تقرير معتمد بحالة المريض لتقديمه إلى التأمين الصحي و اللجنة الطبية لاعتماد الأجهزة للمصاب ثم تحويله إلى م. الأهطل التخصصي التي يتعاقد معها التأمين لعلاج العاملين بالمنشأة على نفقته .. إن كنت ذو صبر .. فأحذر فربما ينفذ صبرك مما ستراه من زملائك و من البيروقراطية و الروتين العقيم من بداية مقابلتك مع وجوه يرتسم عليها الغضب و يتطاير الشرر في عينها.. ربما من ضغط العمل أو من نكد البيوت أو إرهاقاً من مصاعب الحياه و المعيشة ... فيقوم بتنفيس هذا الغضب عليك بمجرد أن تطلب منه بيانات التقرير .. إنت و حظك فهناك من يسهل لك الأمور و هناك من يكرهك في نفسك و الدنيا و المكان و كل الآمور .. و لإبلاغ اللجنة الطبية بالمشروع لا بد من إحضار كراسة التأمين الخاصة بالمصاب و الأشعة و التقرير لاعتماد الإجازة للمصاب و تحويله إلى الأهطل التخصصي للعلاج .. وما أدراك ما هو التقرير و كيفية الحصول عليه لن أسرد كثيراً .. باختصار تحملت غلاسة نائب الحوادث الذي قام بفحص المصاب وعمل الجبيرة له في م. الإستهبال .. في كل مرة يرفض توقيع التقرير حالاً لأنه مش فاضي إما في العيادات و إما في العمليات و إما خارج المنشأة يقوم بإنهاء إجراءات تجنيده .. على مسئولية تمريض قسمه .. ذهبت إليه أول مرة في العمليات و قابلته و هو خارج فطلبت منه توقيع التقرير ... صرخ و هاج ... ( مش دلوقتي ) ثم أدار ظهره و ذهب لزملائه و كأنني أشحت منه .. فنهرته .. لما أنت بتعمل معانا كدا و إحنا زملاء في نفس المنشأة .. أومال بتعمل إيه مع الناس الغريبة .. ده إيه الوجع ده ... يا أخي إنسانياً قولي على ميعاد أجي لسيادتك فيه تعتمد التقرير .. ده تشخيصك أنت إللي كاتبه بإديك بعد الاطلاع على الأشعة .. فنظر لي بنظرة تهديد في حين كان زميل لنا يقوم بتهدئتي و يقول لعله مشغول ... فلنذهب إلى قسمه و نعرف ما هو الوقت المتاح فيه ساعته .. وأو لسنا نحن أيضاً وراءنا أشغالنا و مصالح الناس فقمت بطلب اسمه بالكامل و تحدثت جدياً متعمداً أمامه أنني سوف أبلغ السلطة المختصة بما فعله من أسلوب عدواني متكبر ربما كان نتيجة توبيخ سيده له .. أو ربما لأن حبيبته هجرته إلخ .. و أخذني زميلي و صديقي إلى مقر عمل النائب بقسم العظام وما أن دخلنا إلا و سأل ريسة التمريض المتواجدة عن ميعاد تواجد ذلك النائب الذي فوجئت به يدخل القسم خلفنا.. يبدو أنه شعر بالقلق أو شعر أنه أخطأ في حقي فالتففت نحوه و أنا أعاتبه كان من الممكن أن تطلب مقابلتك في وقت آخر مناسب .. فتبرر بأنه تحت ضغط و طلب مني أن أقابله في القسم عند الثالثة أو الرابعة عصراً ... مع الأسف لم يتواجد .. في اليوم التالي صممت أن أعتمد منه التقرير لأن اليوم التالي سوف يكون أجازه رسمية و بعده عطلة رسمية .. و الوقت يداهمنا لاعتماد أجازه زميلنا المصاب و الذي يرقد في منزله خارج القاهرة لا يتحرك .. و بالفعل ذهبت و لم أجده فقد غادر منذ قليل لكنه سيعود .. رأني بعض الزملاء التمريض في القسم يعرفوني منذ وقت و ذهبت أجلس معهم أنتظر سيادته و طلبوا منى معلومة لم أكن متأكد منها فسارعت بالاتصال بمدير الإدارة الخلوق الذي كان يعرفهم و طلب منهم مساعدتي في إنهاء التقرير .. و بالفعل جاء النائب و قام أحد الزملاء إلى حجرته و معه التقرير و أنا خلفه عندها نظر لي النائب نظرة غامضة و قام بتوقيع التقرير و اعتماده بخاتمه .. تناولت التقرير .. شكرته بكل رضا لذوقه و شكرت الزملاء الآخرين و انطلقت غير مصدق بأنني انتهيت .. بعدها في أول يوم نزول للعمل أثناء إنهائي بقية إجراءات التقرير في الخدمة الاجتماعية صدمني زملائنا هناك و قالوا بأن النائب كتب في التقرير التشخيص فقط و أغلق التقرير دون أن يكتب احتياج المصاب للراحة و لابد من العودة إليه لعمل تقرير جديد سليم ..لا حول و لا قوة إلا بالله هل كان ذلك عن عمد أم أنه نسى .. و لكن كيف ينسى و قد قلت له أن الإدارة عايزة تعتمد الراحة التي قررها للمصاب وهي أسبوعين ... انطلقت بسرعة بتقرير جديد و تمنيت لو كنت استخدمت الواسطة و المحسوبية التي أرفضها و أحاربها في إنهاء هذا التقرير ... ذهبت إلى مكان حوادث العظام على أساس أنني سوف أجده هناك .. لكن كان يوجد نائب قسم آخر فهم يتبدلون أسبوعيا .. حاول زميلي في الخدمة الاجتماعية تسهيل الأمر لي و طلب من النائب المتواجد بأن يكتب تقرير دون أخطاء بناء على تشخيص و اعتماد النائب السابق .. لكنه رفض متعللا بأن ننتظر النائب السينيور بتاعه .. أطلقت ساقي و عدوت نحو قسم النائب سبب المشكلة و سألت عليه و عندما علمت الممرضة بأنني زميلهم أخبرتني بأنه ذهب للتجنيد لإنهاء أوراق له هناك .. هيهات ما هذا الحظ العجيب .. عدت مرة آخري لمستشفى الإستهبال ومقر الحوادث و استأذنت النائب السينيور لاعتماد التقرير لكنه رفض لكن بعد فحص الأشعة المقطعية و تقرير زميله نائب القسم الآخر و إلحاح مني وافق على مضض و لكنه أخطأ مرة آخري في عدم ذكر الراحة وعندما عاتبته اعتذر و طلب مني أن أحضر له تقرير آخر فاضي من كاتب الاستقبال و بالفعل بحمد الله انتهت المرحلة الرخمة ثم عدت لكاتب الاستقبال فأكمل بيانات التقرير ثم توجهت للخدمة الاجتماعية لاعتماد خاتمهم و الأجهزة ثم أخيراً اعتماد توقيع وختم مدير إداري المكان و هو يعتبر صديق .. الحقيقة كان جنتلمان و واساني في المصاب و طلب أن أسلم عليه . تنفست الصعداء و عدت إلى مكتبي طالباً بعض الراحة و كوب شاي قبل أن أكمل مهام عملي لذلك اليوم ... و في اليوم التالي توجهت إلى مبنى التأمين لتقديم أوراق زميلنا المصاب للمسئولين على اللجنة الطبية لاعتماد الأجهزة له و لاستكمال بقية الإجراءات المفترضة و لكن مع الأسف الشديد كانت هناك مفاجأة آخري ... عند الذهاب هناك لتسليمهم التقرير و الأشعة و دفتر تأمين المصاب و الخطاب المطلوب من الإجازات بأنه لم يحصل على أجازه مرضية طوال العام الحالي ... فوجئت بزملائنا بالتأمين يصدموني بأن الدكتور المسئول عن اللجنة الطبية قرر عدم قبول التقارير الصادة من م. الإستهبال و عدم الاعتراف بتوقيع نواب الحوادث و لا بد من اعتماده من أحد الإسطف ( رتبة مدرس فيما فوق ) .. يا جماعة ما يصحش كدا .. المصاب شاف الويل و من معه من أجل إنهاء هذا التقرير و لكن مع الأسف ليس بيدهم شيء فهذه هي التعليمات و نحن جهات تنفيذية .. و بإحساس مليء بالإحباط و الهوان .. فكل مرة تجد خابور جديد و كل خابور أشنع من الخابور إللي قبله ... المهم زملاءنا في التأمين بالمنشأة هونوا الأمر و نصحوني بالاتجاه إلى عيادة العظام داخل العيادات الخارجية القريبة من مقر التأمين و أطلب من أي اصطف أن يكتب اسمه على التقرير ... ( إجراء تعسفي بحجة مجابهة تزوير التقارير ) وكنت قد اكتشفت مؤخراً منذ سنوات قليلة أن هناك بعض الزملاء بالمنشأة يقومون بتلك الأفعال القذرة بالفعل من تزوير هذه التقارير بمقابل مادي و سوف يجاملوني لو طلبت منهم ذلك .. و لكن بالرغم مما عانيته فإنني ما زلت أحتفظ بمبادئي و أفضل ويلات العذاب و الذل على ان أخطأ في حق نفسي .. و تمنعني مبادئ و احتسب عذابي و إجهادي أجرا عند الله .. ذهبت إلى عيادة العظام .. قوبلت بهجوم من إحدى الممرضات لا أجاركم الله من وصفها و لا وصف عرض و طول لسانها و العياذ بالله ..صرخت كأنه على الجبهة تحارب و سلاحها لسانها (خلاص خلصنا ) صوتها زلزال ستة ريختر... يا فندم أنا زميلك في المكان الفلاني و هذا تقرير معتمد بخاتم الشعار من إدارة المنشأة لزميلنا.. اللجنة الطبية محتاجة أسم أو توقيع أي حد من الإسطف.. لكنها استمرت في العدوانية حتى أخيراً فهمت الأمر و وصلت المعلومة لديها و بعد عاصفة عاتية من المعاملة الغير لائقة للمترددين من بعض زملائنا المرضى و المترددين على العيادة .. نفت لي وجود أحد بالعيادة باستثناء نائب واحد فقط ... تركتها و أنا صعبان عليا معاملتها للناس التي اضطرها الحال و الاحتياج للعلاج المجاني بالمنشأة و كانوا يتوسمون حسن المعاملة ..مع الأسف هناك من يتعامل مع الناس و كأن هذه المنشأة عزبة أبوه و أمه .. و يستحل لنفسه مواردها و يرحب بالمجاملات و المصالح و المحسوبيات في إطار تبادل المصالح رغم أنهم مسخرين في هذا المكان لخدمة العباد كلاً في موقعه .. و لكنهم مع الأسف لا يفقهون ... فهم في حياتهم اليومية يعانون و يعيشون في عذاب الحرمان و غلاء المعيشة و مشاكل البيت .. فماذا ننتظر من هؤلاء .. و يطلقون كبتهم على الخلق المسكينة .. تركت العيادات و قررت أن أغامر و أذهب لأٌقسام العظام الداخلية الطبية لإنهاء آخر مرحلة مطلوبة في الإجراءات التعسفية و التي سببت لي التعب و الإرهاق البدني و المعنوي.. مرة أخرى أصطدم بالواقع المر.. أقسام لا يوجد بها نواب ..و أخرى لا يجوز التوقيع على التقرير لأنه صادر من نائب قسم حوادث آخر في هذه الليلة .. و هناك من يتحفظ .. و هناك الخائف و الموسوس ومن يتنطط عليك ... أردت أن أصرخ فيهم .. يا جماعة إحنا محتاجين اسم مدرس مساعد فقط لاعتماد أجازه المصاب في التقرير المعتمد أساساً بخاتم الشعار .. فنحن لا نريد حجزه طرفكم و لا نسألكم المستحيل .. و أن المصاب سوف يتم حجزه فيما بعد عن طريق التأمين العلاجي الذي يخصم من راتبه وعلى نفقته في م. الأهطل التخصصي الجزء الخاص بالعلاج الاقتصادي بالمنشأة.. و لكن بلا جدوى حتى كان هناك مرور بأحد أقسام العظام و جئت بتوصية أحد الزملاء لأحد كبار السكرتارية لإنهاء الإجراء المطلوب فأرسلني لسكرتيرة أصغر منه سناً رفضت الفكرة بتاتاً و تحدثت معي بأسلوب البودي الجارد و أنه لا يجوز توقيع أي من الإسطف على التقرير و كأنها الملاك الحارس للإسطف و أنها تحميهم من الوقوع في الخطأ و الرذيلة.. انتظرت المرور في محاولة آخيرة للتحدث مع أحد المدرسين المساعدين بعد المرور و بالفعل .. تردد قبل أن يهرب من مسئولية التوقيع خوفاً من المساءلة القانونية .. شعرت كأنني أقوم بعمل مشين و غير قانوني ... عندما فاض بي الكيل و الغضب احتفظت بالثبات الانفعالي ثم شكرت الجميع بكل آدب ونبل .. شكرت جميع الحضور .. المدرس المساعد و التمريض و السكرتارية .. في الواقع لو كنت في زمان و مكان آخر لأطلقت عليهم الرصاص جميعاً .. لله الأمر من قبل و من بعد .. قررت أن أتوجه إلى مكتب المدير التنفيذي للمنشأة في آخر محاولة للسيطرة على بركان الغضب الذي ثار داخلي على أمل أن لا أضطر لعمل محضر في قسم الشرطة لإثبات ما حدث و أن أستخدم مهاراتي في نشر و فضح ما حدث على مواقع التواصل الاجتماعي و وزارة الصحة و رئاسة مجلس الوزراء و ربما رئاسة الجمهورية إذا اقتضى الأمر تنفيساً عما شعرت به من رحلة الذل و المهانة لقضاء حاجة تمس الواجب الإنساني .. و لولا ما أؤمن به لقمت من أول وهلة بالاستعانة بمن هو قادر على إنهاء هذه الإجراءات و لكني لا أحبذ أن أثقل كاهل أحد الزملاء أو المديرون الذين يستطيعون إنهاء تلك الأعمال من مواقعهم دون معاناة خدمة لي و لزميلي و أخي .. و فضلت أن أعيش التجربة كاملةً ربما لأكتشف ذلك المكان الذي قمت بخدمته منذ زمن بما يرضى الله و أصطدم بالواقع في معرفة حقيقة ما نحن فيه و ما هي قيمتنا بالنسبة للمكان الذي أفنينا فيه عمرنا... و لكن في النهاية سبحان الله العظيم .. فعلاُ إن بعد العسر يسر .. يأتي الفرج و كنت متأكد من أنه سيأتي من هناك .. أخيراً شعرت بطاقة إيجابية تزيل السلبية التي شعرت بها نحو المؤسسة الطبية العريقة.. عندما استمع زميلنا المسئول جزاه الله كل خير في مقر مكتب السلطة المختصة و أجمل ما فيه أنه يستمع أكثر مما يتكلم و ما أن انتهيت من سردي لما مررت به قام على الفور يرافقني إلى مقر عمليات العظام بالأوراق و التقرير لاعتماده ... و بعد أن غاب لبرهة في الداخل .. خرج ليخبرني أن الجميع معقمون في داخل العمليات و طلب الانتظار حتى انتهاء الإسطف من عمليات جراحة العظام التي يقومون بها .. فتركت الأوراق في عهدته و زملائه و أنا على يقين بأنه سوف يقوم بإنهائها من خلال موقعه .. أخيراً و الحمد لله رب العالمين الذي تتم بنعمته الصالحات انتهت رحلة العذاب قبل الأخيرة و تم اعتماد التقرير النووي الذي يحتوى على مزيج من تشخيص الزميل المصاب و بعض الأختام و التواريخ .. وجدته على مكتبي في اليوم التالي ... فقمت بالاتصال لأشكره و أشكر بقية من تعاون معي جزاهم الله كل خير.. و أخيرا تنفست الصعداء و شعرت بأن الهم الذي كان يرافقني ذاب و بدأت أستعد و أهيأ نفسي تمهيداً لتسليمه فيما بعد للجنة الطبية بالتأمين الخاص به و ما زال القلق يراودني لاحقاً رغم انتهاء الجزء الأصعب و ما سوف أواجه فيما بعد أثناء إنهاء بقية الإجراءات و الواجبات التي لا بد من فعلها و هذا أقل واجب مع مصاب اسير لجبيرة من الجبس لا يستطيع أن يتحرك من الكسر الذي أصابه .. أخي و زميلي .. شفاك الله و عافاك و جعل كل شعور بألم سواء من كسر الركبة أو كسر النفس أو مما واجهته من شدائد في ميزان حسناتك .. و في النهاية أقول لكل من شاكلة هذا النائب المتغطرس أو لتلك الممرضة ذات اللسان العريض أو لكل من يصعب الأمور على الناس و لا يتقى الله في موقعه .. تذكر أن الأيام دول فأنت اليوم عنتر و غداً سوف تكون عبلة شئت أم أبيت.. فأنصحك بأن تتقى الله .. أما هؤلاء الذين يقومون بقضاء حوائج الناس .. يا من تمسحون تراب الذل و تهونون الألم عن المرضى و الذين يعانون في كل المواقع... فطوبى لكم عند الله يا من لا زلتم تحملون لقب و كينونة ( إنسان )....

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمرأة متعددة الوجوه

أضغاث أحلام

المتاهة