السقوط الكبير

 

عندما جاءت لتدير هذه المنشأة … لم يكن يتخيل جميع العاملين بها أن هذه المرأة سوف تكون مختلفة عن الآخرين الذين سبقوها و قاموا بإدارتها من قبل … فبمجرد أن بدأت تقود وتدير … بدأت تتساقط سريعاً أجنحة الفساد في المنشأة … ذهلت الجميع من أول إنطباع .. حتى وصفوها بأنها ضمير مات وفجأة عاد للحياه مرة أخرى في صورتها …


البعض وصفها بأنها عين السلطة الحاكمة لتطهير المنشأة من الفساد الذي انتشر في كل مكان … للوهلة الأولى أطلقوا عليها اسم المرأة الحديدية … في الحقيقة نالت إعجاب الجميع ، خاصة بينما كانت تقاتل في جانب و في الجانب الآخر كانت تمنح العاملين مزايا مالية من حين لآخر الأمر الذي ساهم في تحقيق شعبية كبيرة لها داخل القلوب في كل مكان بالمنشأة

إستمرت في محاربة الفساد ببعض المساعدة والمساندة من بعض الموالين … بعضهم مضطهد أيضًا … وآخرون صنفوا على أنهم قريبون منها أو موثوق بهم ، وكذلك بعض الحمقى ممن يعتقدون أنهم مع الرائجة وما إلى ذلك … بعض القادة قد تغيروا ربما نتيجة لمواكبة الأحداث الحالية فأراد البعض تحقيق بعض المكاسب و البعض الآخر أراد أن يظهر بطولته في منصبه طمعا في منصب أكبر و آخرون ممن كادت ضمائرهم على وشك الموت و وجدوا أن تلك الدماء الجديدة هي جسر العبور في تحقيق النصر على أسياد الفساد بإستخدام النزاهة و الإخلاص لإعادة التطوير وتصحيح أي انحرافات سابقة… و ربما أيضا استغل البعض هذه الثقة للانتقام وتصفية حساباته الشخصية مع أشخاص معينين في مواقع مختلفة ……و لكن لم يستمر الأمر طويلاً كما توسم الكثيرون .. و فجأة هدأت العاصفة و عاد الصمت يخيم المكان و توقف الوقت قليلاً قبل أن تتحول الأحداث إلى أشياء لم يكن ليتوقعها الكثير ..

بشكل عام تصاعدت الأحداث بشكل حاد فيما بعد … عاد الهدوء مرة آخرى للمكان ..لم يعد يسمع الجميع عن قضايا فساد جديدة .. ثم توقفت المزايا التي كانت تمنح العاملين بصفة شبه مستمرة .. ثم تقلصت رويدا رويدا حتى توقفت تماما و كانت بحجة إعادة النظر فيمن يستحق ومن ليس كذلك ، ربما كان القرار صائبًا ولكن للأسف كان الجميع غاضبًا بسبب التأخير في إعادة صرف المنافع المالية التي اعتمدوا عليها شهريًا بجانب رواتبهم التي لا تكفي لإعالة أسرهم … البعض قد يقترض أو يكون قاسياً على نفسه بسبب متطلبات الحياة التي لا ترحم .. كانوا يعانون ولا أحد يشعر بهم فهم يعيشون في دوامة من غلاء متطلبات الحياه الكريمة

وهكذا بدأت شعبيتها تتراجع تدريجياً خاصة عندما بدأت تظهر في مرحلة جديدة من الكبرياء و الإنفراد بإتخاذ القرار من جانب واحد دون دراسة كافية و رغم وجود مستشارين حولها ..بدأت تفرض رأيها بغض النظر عن أي آراء صحيحة من ذوي الخبرة و مع الأسف بدأت تحكم على الناس من خلال الإستماع إلى من كانت تجندهم كعصافير يأتون لها بالأخبار مدمجة ببعض بهارات بنية الإنتقام الشخصي أو طمعا في مكافأة أو منصب أو ليكون من المقربين و لعل ذلك كان سببا في حدوث البلبلة و الإحساس بالسخط و بدأ الجميع يهمس و ينتقد أفعالها في أروقة المنشأة …

في الواقع ، قررت أن تكون ملكة للمكان و أن الجميع يجب أن يكونوا حاشيتها يبدو أن الكبرياء والعظمة أصابها في هذه المرحلة وبدأت في استخدام أساليب واستراتيجيات غريبة لأنها كانت السلطة المهيمنة المطلقة الوحيدة في المنشأة … بدأت تشك في الجميع … أصبح الجميع مشتبهاً به حتى لو كان صاحب حق …. وصلت إلى مرحلة من الغرور حتى أصبحت الأنا فقط… صارت رمزًا للديكتاتور .. قادت بمركزية .. إفتقدت المرونة تجاهلت كل الآراء و الملاحظات بل وعاقبت كل من اعترض أو انتقد.

وصف البعض سخائها أول حكمها بأنه كان طريقة لشراء شعبية و تأسيس وبناء كاريزما خاصة بها… من ناحية أخرى ، كان الحكماء على علم بهذه الأساليب المعتادة التي استخدمها البعض منذ الأزل لتحقيق القوة المطلقة والسيطرة على المكان من خلال نقاط الضعف البشرية و بالطبع كان الإحتياج أكبر نقاط ضعف الإنسان … سواء للمال أو العمل أو الإحساس بالأمان أو أي رغبات آخرى …

الأغرب … أنها تحولت فجأة من محاربة الفساد ودعم الإصلاح إلى سياسات تدعم الفوضى و الفتنة و التي تؤدي بدورها إلى تدمير كيان المؤسسة وقتل الانتماء بين أصحاب الخبرة بالمنشأة ..

فهل كان هذا بسبب المنافقين الذين يدورون حولها أم بسبب الشعبية التي حققتها في بداية حكمها و أوصلتها لمرحلة من الغرور و الكبرياء جعلتها تتجاهل تلك الأشياء التي تبقيها بطلة في عيون الجميع مثلاً السخرية من أفكار صغار الموظفين بتطوير أنظمة أداء العمل … و عدم مراعاة نصائح الحكماء من ذوي الخبرة عند إتخاذ القرارات و الإعتماد على بطانة فاسدة من ذوي المصلحة الشخصية و همس جنودها من العصافير التي كانت تصطاد و تعظم الأخطاء الهامشية أو الصغيرة و معاقبة أصحابها دون إنسانية أو رحمة بتفويض من سيادتها…صفات أوصلتها للهبوط .. العناد وعدم المرونة … التحكم في جميع مستويات الإدارة عدم وجود رؤية واضحة على المدى البعيد رؤية ضيقة (… شخصنة الأشياء) .. و بسبب هذه الأمراض النفسية كانت بداية السقوط الكبير ... سقوطها

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمرأة متعددة الوجوه

أضغاث أحلام

المتاهة