في حضرة إبليس

أعلن لفيف من الجن عن وصول أول كائن بشري كان قد تقدم سابقاً يطلب مقابلة الشيطان الأعظم إبليس ..
أراد أن يقابله وجها لوجه وسط حيرة وإندهاش عالم الجان الذين كانوا يرابطون في دهاليز سلطان الجان الذي يشغل منصب نائب إبليس في عالم الجان.. 
و بينما كانوا يراقبون ذلك المخلوق البشري الذي تجرأ و طلب مقابلة أكبر عدو لدود لجنسه البشري في التاريخ و أكثر مخلوق تهابه كل المخلوقات .. 
أنه ذلك الشرير الذي تسبب في تحويل مسار البشرية بنسبة 100% حينما أغوى إبليس آدم وزوجه عما نهاهم الله عز و جل ثناؤه من أكل ثمار شجرة بعينها من أشجار الجنة و إستطاع أن يؤثر عليهما فإستجابا لوسوسته فما كان جزائهما إلا أن طردهما الله من الجنة عقاباً لهما و ما أدراك ما الجنة .. ألقى بهم إلى كوكب الأرض حيث الشقاء و المعاناة حتى يوم القيامة..
تقدم البشري وهو محاط ببعض جنود سلطان الجان المسئول عن كل ألوان الجان بجنسياتهم و ديانتهم و كانوا يرتدون ملابس غريبة على أهل البشر حتى ان بعضهم كان في هيئة غريبة عن هيئة البشر .... فأما البشري فكان متوجماً تشعر أنه في قمة القلق خطواته ثقيلة و هو يحاول أن يخفي مشاعر خوفه في حين كان بعض الجن يبتسمون فهم يشعرون بكل تفاصيل بما يدور بخلده من الخوف منهم لأنهم يدركون تماماً أنهم أولوا بأس شديد ... كانت ملامحه شرقية تماماً.. يبدو عليه الهزال و كأنه يحمل هموم الدنيا .. و بدا كأنه يتحدى نفسه بل و كأنه يتحدى الكون كله .. وصل إلى قاعة عرش السلطان في ذلك القصر المشيد من وحي الخيال و هو ما زال منبهراً مما يراه لأول مرة في حياته .. إستقبله بعض المقربين من السلطان و قدموا له مشروب للترحيب به و لطمأنته .. أخذ ينظر إلى هذا المشروب و هو يتردد لولا أن لمح إبتسامة إطمئنان على وجه أحد إناث الجان و كان من الواضح إنها كانت تبدو من الأسرة الملكية فكانت ذات جمال لافت و ترتدي أفخر الثياب الملكية ... فقام بتناول العصير و هو يحاول أن يفهم ما هو فقد كان غير مألوف للبشر و لكن دون جدوى ......
 لحظات و أعلن الحاجب عن وصول موكب سلطان الجان و ما أن دخل إلى القاعة حتى إنحنى كل من في القاعة نصف إنحناءة إلا ذلك البشري الذي كان يأخذه الذهول متعجباً لما يحدث و هو يظن أنه يمر بهاجس في أحد الأحلام أو الكوابيس التي تراوده دائماً و لم ينتبه إلا حين صاحت فيه ونهرته تلك الأميرة التي ناولته مشروب الترحاب بقسوة و قد تغيرت ملامح وجهها لتصبح صارمة تماماً و هي تأمره بأن ينحني مثل بنوا قومها إحتراماً لسلطان الجن.. وعندما وصل السلطان إلى مجلسه إبتسم له و هو يأمرها بالصمت ثم أشار إلى الرجل ليتقدم نحوه بعد ما جلس على كرسيه و فعلاً تقدم الإنسي و هو يلقى التحية .. السلام عليكم .. فأجابه السلطان و عليكم السلام .. مرحباً بك في عالم المعجزات عالم الغيبيات ... لقد طلبت أن تقابلنا .. فماذا تريد أيها البشري ... فإعتدل الرجل ثم قال .. أشكر سموكم على السماح لي بتلك المقابلة و أشكر لكم حسن إستقبالكم و حسن الضيافة و الكرم .. ثم أكمل حديثه قائلاً.. الحقيقة أنني جئت إليكم بعد صراع مرير مع نفسي من أجل توضيح رؤيا تطاردني في حياتي .... فرد عليه السلطان قائلاً .. إذن تفضل بالجلوس لتستريح حتى تستطيع أن تخرج ما في نفسك و لا  تشعر بأي قلق أو تردد من شئ فلك الأمان حتى ترحل ... فتنفس الرجل الصعداء قبل أن يجلس أمام مجلس سلطان الجان  ثم تنهد و أسرد قائلاً... يا سيدي لقد ظللت عمري كاملاُ صامدا حتى هذه اللحظة أحافظ على المبادئ التي تعلمتها و ورثتها من أبي من إنكار الذات و نقاء القلب و الضمير و إستئثار مصالح الناس على مصلحتي الشخصية ... لقد كنت أعطى و لا أخذ في عصر إنعدم فيه العطاء.. كنت أحتضن الأخلاق في وقت تخلى عنها الناس .. كنت أصر على أن ألتزم بالإصلاح في عالم ملئ بكل ألوان الفساد.... و برغم ما كنت أقابله من الصعوبات في التعامل مع شتى أنواع البشر والذين كانوا يحاولون ان يثنوني عن طريقي و إكراهي على أن أتنازل عما تعلمته و أمنت به ... إلا إنني إكتشفت فجأة أنني إنسان غير كل إنسان .. أصبحت أعيش في تضارب ما بين عقلي و قلبي و حرب داخلي ما بين مشاعر الخير و الشر .. بين كل ما أومن به و ما يحدث في الواقع ... حتى أصبحت على شفا الجنون .. شككت في فطرتي... لجأت إلى أطباء علم النفس ... و قصدت العرافين و الدجالين للعلاج دون جدوى.. و لم أجد مفراً إلا من مقابلة الشيطان نفسه حيث أفاد لي الكثيرون بأنه عالم بكل الأسرار و معالج لكل أمراض النفوس ...

كان الحضور يستمعون و يراقبون الرجل و يتعجبون لما يقوله حتى قاطعه السلطان قائلاً ... ويحك يا رجل .. ما هو دينك .. ؟ .. فأجابه قائلاً .. و ما دخل ديني بما أنا فيه يا سيدي

فأعاد السلطان قائلاً .. لأنك إذا كنت مسلماً فلن تستعين بنا لأنك تعلم تماماً انه ليس من حقك أو من حق البشر رؤية أهل الجان لأننا نعتبر من غيبات الله ... و أما إذا كنت نصرانياً أو يهودياً أو حتى ملحداً .. ففي هذه الأحوال سوف ترى ما لا يسرك و ربما يتم أسرك لتكون عبداً في أحد سجون سيدنا.. و في كل الحالات فقد خسرت دينك و دنياك و آخرتك وأصبحت من أهل الجحيم ... فرد الرجل و هو يسأل في خوف و لهفة ...  لماذا ؟

فرد السلطان ... إلا تعلم إنك إذا ما حاولت الإتصال بنا فقد أصبحت أحد أتباعنا و عليك أن تطيعنا في كل صغيرة أو كبيرة و إلا فالويل لك كل الويل ستكون حياتك جحيماً لا تطاق و ستظل تعاني حتى لحظة خروج روحك من الحياه .

فإرتجف الرجل وهو يداري خوفه و قال متردداً ... أنا على دين الإسلام يا سيدي ... فأومأ السلطان برأسه مبتسماً وقال يا هذا نحن نعلم كل شئ عنك و لكني أردت أن أختبرك و أرى ما مدى صدقك معنا .. و لكن ما دمت على دين الإسلام و لم تتلوث بعد بالسيئات فما الذي جعلك تطلب مقابلة سيدنا ؟ .. فرد الرجل ... لقد حدثتك بما في نفسي .. ألا تظن أن هذا كافياً ...لقد علمت أنه من الصعب لقاء سيدكم إلا من خلالكم و ها أنا في حضرتك فمتى و أين أقابله ؟ ....... نظر إليه السلطان نظرة مليئة بالحفاوة و هو يقول ... أما عن مقابلته فمع الأسف لا تستطيع أن تلقاه وجها لوجهك و إنما نحن مفوضون بهذه الأمور لأنه لا يقابل رسمياً إلا نسلنا من الجن و الشياطين ... أما ما تقوله و ما قصصته  في كلامك فما هو علاقته به... و لماذا تصر على مقابلته و التمرد على طبيعتك كبشري مسلم ... إلا تخشى عقوبة ربك و ربنا في دار الدنيا أو دار الأخرة ...هل أنت في غشاوة أم هل نفسك ضالة خبيثة يا رجل ...

عموماً أريد أن أوجه إليك إنذاراً أخيراً فأنتم يا أهل البشر تقولون بأن الشكوى لغير الله مذلة .. ألا تعرف معنى أن تكون عبداً لإبليس .. 

حرك الرجل كفيه لأعلى و سأل السلطان.. لقد أعطيتموني وعداُ.. أتنكثون به ؟.. 

فأسرع السلطان ينهره و هو يصيح فيه ... إحذر يا رجل ... أنت تكلم سلطان عالم الجان .... فقال الرجل بصوت متهدج ... لا تآخذني يا سيدي .. فما زلت حائراً و عقلي تائهاً و أتعجب مما أراه و أستمع إليه من حكمتك و كأنك تريد أن ترشدني إلى ما هو الأصلح لي ... و هذا يجعلنى أتساءل لماذا تحاول أن تجعلني أتراجع عن هذا اللقاء..؟  

فقام السلطان و هو يقول.. إنما أراك مثلاً يتمناه الكثيرون من الفاسدين الذين تلوثت قلوبهم و ضمائرهم و صاروا عبادا لنزواتهم و شرورهم .. و لكنك تجهل مقام نفسك ألا تعلم أن لكلا منا مقام ...فلماذا أنت حائراً و تائهاً يا رجل ! ... أما قرأت في قراءنك و علمت أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ... ألم تشعر براحة قلبك و ضميرك عندما تقف و تصلي راكعاً و ساجداً أمناً ذاكراً الله جلا جلاله ... تعجب الرجل و جحظت عيناه وهو يتساءل في نفسه بصوت سمعه الحاضرون ... ما هذا هل أنت جن مسلم ..  كيف تكون حكيماً هكذا وتعلم عن القراءن و الصلاة و رب العالمين ... فضحك السلطان قائلاً .. ها أنت قلتها رب العالمين و نحن الجان أحد عوالمه مثلنا مثلكم ... و بالطبع لا بد لنا من معرفته و الإيمان به لأنه هو الذي خلقنا و وهبنا العلم و الحكمة ...نحن أولوا علم وعلمنا يفوق علمكم أيها البشري و برغم ذلك فإن علمنا نقطة في بحار من العلم و فوق كل ذي علم عليم و ما أوتينا نحن و لا أنتم من العلم إلا قليلاً إلا ما إختصنا به الرحمن رب العالمين ... أدمعت عينا الرجل و هو يستمع ويتعجب مما يسمعه في حين أسرد السلطان و هو يتجه إليه .... يا هذا لا تتعجب من قدرة الله فنحن نؤمن به كما تؤمن به و كلا منا موكل حتى تحين اللحظة فكل شيئ يجري لأجلاً مسمى ... فدعني أنصحك لوجه الله بأن تتراجع عما يرضيك و يغضب الله سبحانه وتعالى .. فإن الدنيا زائلة .. فإرجع إلى دنياك و إستغفر ربك و لا تدخل في طريق الإلحاد و تجنب مداخل الشيطان فإنه و ذريته موكلون لإبعادكم عن كل ما يصل بكم إلى طريق الأمان طريق الجنة حيث لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ... يا صديقي لا تستمع لوسوسة نفسك فإنها تأمرك بالسوء ولا تجعل الدنيا أكثر همك و لا مبلغ علمك و لا تطع همزات شيطانك و لا تجعل الهوى يضلك عن سبيل الله ... وتمسك بقرأنك و سنة نبيك و أقتدي بأصحابه صلى الله عليه وسلم ... فإنهم وقاية و حرز لك في حياتك و مماتك من كل الفتن و تذكر أن كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام .. 

إستمر الرجل في البكاء ندماً و قال و صوته يتهدج وسط دموعه ... بالله عليك ألست من أعوان إبليس .. فكيف تكون منهم و أراك مسلماً عني ... فحدثه السلطان قائلاً ... هدئ من روعك يا بني .. فإنما أنا رؤيا تراها في منامك و بعد قليل سوف تستيقظ في حال أفضل مما أنت فيه الأن وتذكر بأن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما... هيا قم من نومك و إغتسل و توضأ فإن الفجر على وشك النداء .. وتذكر قوله تعالى فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا .. 

فجأة إستيقظ الرجل من نومه و تلفت يميناً ويساراً ليجد نفسه في فراشه وسط حجرته .. وصوت المذياع يتلو على محطة إذاعة القرأن الكريم قوله تعالي .. قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم .. و ما أن قال صدق الله العظيم كان المؤذن يقيم صلاة الفجر في المسجد القريب.. فأدمعت عيناه و قام مسرعاً من فراشه وتحرك نحو دورة المياه ليتوضأ و ليلحق صلاته .. و هو يتمتم بصوت عال.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... أستغفر الله العظيم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمرأة متعددة الوجوه

أضغاث أحلام

المتاهة