في حضرة إبليس
كان الحضور يستمعون و يراقبون الرجل و يتعجبون لما يقوله حتى قاطعه السلطان قائلاً ... ويحك يا رجل .. ما هو دينك .. ؟ .. فأجابه قائلاً .. و ما دخل ديني بما أنا فيه يا سيدي
فأعاد السلطان قائلاً .. لأنك إذا كنت مسلماً فلن تستعين بنا لأنك تعلم تماماً انه ليس من حقك أو من حق البشر رؤية أهل الجان لأننا نعتبر من غيبات الله ... و أما إذا كنت نصرانياً أو يهودياً أو حتى ملحداً .. ففي هذه الأحوال سوف ترى ما لا يسرك و ربما يتم أسرك لتكون عبداً في أحد سجون سيدنا.. و في كل الحالات فقد خسرت دينك و دنياك و آخرتك وأصبحت من أهل الجحيم ... فرد الرجل و هو يسأل في خوف و لهفة ... لماذا ؟
فرد السلطان ... إلا تعلم إنك إذا ما حاولت الإتصال بنا فقد أصبحت أحد أتباعنا و عليك أن تطيعنا في كل صغيرة أو كبيرة و إلا فالويل لك كل الويل ستكون حياتك جحيماً لا تطاق و ستظل تعاني حتى لحظة خروج روحك من الحياه .
فإرتجف الرجل وهو يداري خوفه و قال متردداً ... أنا على دين الإسلام يا سيدي ... فأومأ السلطان برأسه مبتسماً وقال يا هذا نحن نعلم كل شئ عنك و لكني أردت أن أختبرك و أرى ما مدى صدقك معنا .. و لكن ما دمت على دين الإسلام و لم تتلوث بعد بالسيئات فما الذي جعلك تطلب مقابلة سيدنا ؟ .. فرد الرجل ... لقد حدثتك بما في نفسي .. ألا تظن أن هذا كافياً ...لقد علمت أنه من الصعب لقاء سيدكم إلا من خلالكم و ها أنا في حضرتك فمتى و أين أقابله ؟ ....... نظر إليه السلطان نظرة مليئة بالحفاوة و هو يقول ... أما عن مقابلته فمع الأسف لا تستطيع أن تلقاه وجها لوجهك و إنما نحن مفوضون بهذه الأمور لأنه لا يقابل رسمياً إلا نسلنا من الجن و الشياطين ... أما ما تقوله و ما قصصته في كلامك فما هو علاقته به... و لماذا تصر على مقابلته و التمرد على طبيعتك كبشري مسلم ... إلا تخشى عقوبة ربك و ربنا في دار الدنيا أو دار الأخرة ...هل أنت في غشاوة أم هل نفسك ضالة خبيثة يا رجل ...
عموماً أريد أن أوجه إليك إنذاراً أخيراً فأنتم يا أهل البشر تقولون بأن الشكوى لغير الله مذلة .. ألا تعرف معنى أن تكون عبداً لإبليس ..
حرك الرجل كفيه لأعلى و سأل السلطان.. لقد أعطيتموني وعداُ.. أتنكثون به ؟..
فأسرع السلطان ينهره و هو يصيح فيه ... إحذر يا رجل ... أنت تكلم سلطان عالم الجان .... فقال الرجل بصوت متهدج ... لا تآخذني يا سيدي .. فما زلت حائراً و عقلي تائهاً و أتعجب مما أراه و أستمع إليه من حكمتك و كأنك تريد أن ترشدني إلى ما هو الأصلح لي ... و هذا يجعلنى أتساءل لماذا تحاول أن تجعلني أتراجع عن هذا اللقاء..؟
فقام السلطان و هو يقول.. إنما أراك مثلاً يتمناه الكثيرون من الفاسدين الذين تلوثت قلوبهم و ضمائرهم و صاروا عبادا لنزواتهم و شرورهم .. و لكنك تجهل مقام نفسك ألا تعلم أن لكلا منا مقام ...فلماذا أنت حائراً و تائهاً يا رجل ! ... أما قرأت في قراءنك و علمت أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ... ألم تشعر براحة قلبك و ضميرك عندما تقف و تصلي راكعاً و ساجداً أمناً ذاكراً الله جلا جلاله ... تعجب الرجل و جحظت عيناه وهو يتساءل في نفسه بصوت سمعه الحاضرون ... ما هذا هل أنت جن مسلم .. كيف تكون حكيماً هكذا وتعلم عن القراءن و الصلاة و رب العالمين ... فضحك السلطان قائلاً .. ها أنت قلتها رب العالمين و نحن الجان أحد عوالمه مثلنا مثلكم ... و بالطبع لا بد لنا من معرفته و الإيمان به لأنه هو الذي خلقنا و وهبنا العلم و الحكمة ...نحن أولوا علم وعلمنا يفوق علمكم أيها البشري و برغم ذلك فإن علمنا نقطة في بحار من العلم و فوق كل ذي علم عليم و ما أوتينا نحن و لا أنتم من العلم إلا قليلاً إلا ما إختصنا به الرحمن رب العالمين ... أدمعت عينا الرجل و هو يستمع ويتعجب مما يسمعه في حين أسرد السلطان و هو يتجه إليه .... يا هذا لا تتعجب من قدرة الله فنحن نؤمن به كما تؤمن به و كلا منا موكل حتى تحين اللحظة فكل شيئ يجري لأجلاً مسمى ... فدعني أنصحك لوجه الله بأن تتراجع عما يرضيك و يغضب الله سبحانه وتعالى .. فإن الدنيا زائلة .. فإرجع إلى دنياك و إستغفر ربك و لا تدخل في طريق الإلحاد و تجنب مداخل الشيطان فإنه و ذريته موكلون لإبعادكم عن كل ما يصل بكم إلى طريق الأمان طريق الجنة حيث لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ... يا صديقي لا تستمع لوسوسة نفسك فإنها تأمرك بالسوء ولا تجعل الدنيا أكثر همك و لا مبلغ علمك و لا تطع همزات شيطانك و لا تجعل الهوى يضلك عن سبيل الله ... وتمسك بقرأنك و سنة نبيك و أقتدي بأصحابه صلى الله عليه وسلم ... فإنهم وقاية و حرز لك في حياتك و مماتك من كل الفتن و تذكر أن كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام ..
إستمر الرجل في البكاء ندماً و قال و صوته يتهدج وسط دموعه ... بالله عليك ألست من أعوان إبليس .. فكيف تكون منهم و أراك مسلماً عني ... فحدثه السلطان قائلاً ... هدئ من روعك يا بني .. فإنما أنا رؤيا تراها في منامك و بعد قليل سوف تستيقظ في حال أفضل مما أنت فيه الأن وتذكر بأن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما... هيا قم من نومك و إغتسل و توضأ فإن الفجر على وشك النداء .. وتذكر قوله تعالى فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ..
فجأة إستيقظ الرجل من نومه و تلفت يميناً ويساراً ليجد نفسه في فراشه وسط حجرته .. وصوت المذياع يتلو على محطة إذاعة القرأن الكريم قوله تعالي .. قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم .. و ما أن قال صدق الله العظيم كان المؤذن يقيم صلاة الفجر في المسجد القريب.. فأدمعت عيناه و قام مسرعاً من فراشه وتحرك نحو دورة المياه ليتوضأ و ليلحق صلاته .. و هو يتمتم بصوت عال.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... أستغفر الله العظيم

تعليقات
إرسال تعليق