سرقة بطاقة هوية بقلم يحيي فؤاد الشلقاني Losing an ID card.. By Yahya Fouad Shalakany
لأول وهلة عندما تفقد محفظتك التي تحتفظ فيها بكل أوراقك الرسمية سواء كانت البطاقة أو الرخصة أو بطاقات الإئتمان إلخ .. و أهمهم بالطبع ( رقمك القومي ) سواء فقد أو تمت سرقته منك فسوف تجد نفسك في مأزق كبير .. فأنت الأن فاقد أهلية بل سقطت في فجوة زمنية سحيقة فلن تستطيع أن تمارس أي من حقوقك كمواطن على أرض هذا الوطن لا في شراء شريحة هاتف أو تحديث بيانات أو صرف راتب أو حتى التعامل رسمياً مع أي جهة أو مصلحة حتى و لو قذفت بك الصدفة في كمين ليلي بدون هويتك فسوف تجد نفسك في متاهة و ربما ترى الويل فترة من الزمن حتى يتم التحقق من كينونتك .. أنت الأن في أشد الإحتياج سريعاً لإستخراج بطاقة رقم قومي فلابد لك أن تتهيأ نفسياً لمعركة خصمك فيها الزمن و جنوده هم مجموعة منتقاه من البشر قليلاً منهم يرتقي إلى مرتبة إنسان مسخرين في أماكنهم إما للتيسير أو التعسير على الناس و ذلك حتى تستطيع أن تسترجع هويتك مرة آخرى .. سوف تقوم بشراء الإستمارة الخضراء المخصصة لإستخراج الرقم القومي بسرعة من أحد أقسام الشرطة الكيوت التابعة لمنطقة سكنك .. سوف تلاحظ أنها مدون عليها كلمة
VIP حاجة
شياكة تحسسك إنك إنسان فريد من نوعك .. مطبوع عليها سعرها مائة وخمس و سبعون جنيهاً شامل كل التكاليف وهي مخصصة لكل من يتعجل إستخراج رقم
قومي بدل الفاقد في خلال يومين على الأكثر بدلاً من الإستمارة البرتقالي العادية ذات الخمسون جنيهاً
والتي يستخرج فيها الرقم القومي بعد خمسة عشر يوماً ...
في الواقع و عند المواجهة و أنت في قلب المعركة سوف تشعر و
كأنك تعيش في عصر أفلام الأبيض و الأسود ..
خصوصاً عندما تجد نفسك تواجه عالم إفتراضي محسوب عليك .. سرعان ما يذكرك بنجيب
الريحاني في فيلم أبو حلموس و واقعة إيجاد أي مبررات منطقية لتغطية زيادة سعر شراء
الخروف سواء مبرر لقص شعر الخروف أو طشت و جردل لزوم غسيل الخروف إلخ ..
الأن أول المواجهة سوف تقوم بإستيفاء البيانات المطلوبة من جهة العمل و دورة أختام النسر مع إرفاق خطاب معتمد و مختوم من جهة العمل بما يفيد بهويتك و صورة من بطاقة الرقم القومي المسروق لو كنت تحتفظ بنسخة منها مع مذكرة رسمية بفقد متعلقاتك من أوراقك الرسمية صادرة من قسم الشرطة التي فقدت في دائرته حتى لو كنت في مصيف مثل رأس البر .. و التي كنت تحتفظ بها في محفظتك و قام الحرامي الله ينتقم منه بسرقتها مع هواتفك و لأنه كان بن حلال مصفي رفض أن يترك لك رقمك القومي و بطاقات الفيزا الخاصة براتبك و رخصة قيادتك حتى كارت معاش والدتك المسنة لم يسلم من أذى الحرامي القذر فإن كان حرامي ذو ذمة نظيفة لتفضل و ترك أوراقك الرسمية أو حتى ألقى بها في أحد الشوارع المحيطة بشقتك ليجدها أي إنسان من أصحاب الضمير و يقوم بتسليمها لأقرب مكان عثر عليها فيها ليتسنى لصاحبها أن يبحث عنها في الأماكن القريبة من إقامته بدلاً من أي يمر بدورة عذاب لإستخراج تلك الأوراق المسروقة و التي لا يعلم مرها إلا من تعرض لها من قبل ..
بالعودة لقسم الشرطة مرة أخرى بعدما إنتهيت من إستيفاء
إستمارة الرقم القومي العاجلة التي قمت بشراءها صباحاً ... ثم تتقدم لتسأل الموظفة المدنية عن صحة أوراقك المرفقة مع الإستمارة حتى لا تنتظر و تخسر معركة الوقت التي بدأت تخوضها .. سرعان ما تصرخ في وجهك كالبومة أو كقذيفة مدفع و
كأنك تعمل عندها في السخرية ( قف في الطابور يا استاذ ) .. بالطبع رد فعلك سوف يكون حكيماً و سوف تتجاوز تلك الكبوة بهدوء لأنك مع الأسف محتاج أن تكون هكذا و إلا سوف تخسر المعركة من أول مانع تقابله... ولا تحاول أن تسألها مرة أخرى مهما كانت الأوراق بها مشكلة .. يبدو أنها كانت مضغوطة لأنها تقوم بأكثر من عمل في نفس الوقت والمكان
كان مزدحم لأن اليوم هو الخميس أخر الإسبوع.. إلتزم بدورك في طابور كان بطيئاً لدرجة
عالية من الملل وصل بك الإنتظار لأكثر من ساعتين فقد كانت الموظفة وحيدة ما بين مراجعة
الأوراق و تصوير الضحايا من المواطنين الذين دعتهم الظروف لإستخراج بطاقات الأرقام القومية الخاصة بهم إما
لإنتهاء بطاقاتهم القديمة أو لفقدها أو تلفها أو سرقتها أو لتعديل بيانات معينة..
المفاجأة الحزينة التي تدعو للإكتئاب من
مرحلة الروتين و البيروقراطية أو كما تشبهها أنت بمرحلة العبودية... عندما قامت زميلتها
التي عادت و يبدو أن سعادتها كانت في مشوار أثناء وقت العمل وعادت لمكتبها لتمارس
الوظيفة التي كانت تقوم زميلتها الآخرى باداءها في غيابها و هي مراجعة الأوراق المرفقة مع
إستمارة بطاقة الرقم القومي .. وعندما وصلت لدورك و تقدمت إليها سألتك عن أي إثبات هوية مثل بطاقة أو رخصة أو جواز
سفر .. قلت لها حضرتك أنا مسروق في المصيف المحفظة كلها إتسرقت مع تليفوناتنا و فلوسنا و
المحضر معمول في قسم شرطة رأس البر و مذكرة فقد الأوراق إللي مرفقة مع الورق صادرة من قسم رأس البر و مزيلة
بتوقيع و خاتم السيد مأمور القسم... و بكل
برود و في منتهى الهدوء قالت ... ما ينفعش يا أستاذ لازم حد يضمنك ... حاولت قائلاً يا فندم الإستمارة معتمدة بخاتم الشعار
من جهة عملي و مرفق معها خطاب موجه للسجل المدني بأن بياناتي صحيحة ... لكنها صاحت مثل زميلتها البومة الأخرى.. من فضلك
لازم حد يجي يضمنك من أقارب الدرجة الأولى حد من إخواتك من ولادك إلخ .. لو كنت
مكانك لا بد أن تشعر بالإحباط و الإكتئاب يكفي أنهم لا يعترفون بهويتك رغم كل
الأوراق الرسمية التي تحملها و ما بها من أختام شعار النسر ...
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر .. و هذا معناه أنه
لا أمل في إنهاء إجراءات إستخراج بطاقة الرقم القومي .. و بالتالي لا أمل في
إستخراج شرائح الهواتف ... ولا أمل في إستخراج كارت فيزا المرتبات الخاص بك حيث أنه
المصدر الوحيد لدخلك الذي تعيش معه .. حتى لا أمل في إستخراج كارت معاشات لوالدتك المسنة و طريحة الفراش بدلاً من الذي تمت سرقته في المحفظة ... و الله وحده يعلم كمية المعاناة التي سوف تواجهك لاحقاً في الأيام التالية..
لحظات من الموت البطئ تمر بك .. لا ترى
إلا السواد .. فأنت مقيد بقيود غير مرئية و مسجون في فجوة زمنية و لا أحد مدرك لما تعانيه و ليس لديك حيلة
بإستثناء الإستسلام التام لقدرك ... عــدت لمنزلك و كل معنوياتك في قمة الإنهيار بل ربما لست كاذباً إن قلت قد ماتت
داخلي مشاعر الإنتماء لكل منطق و لكل مكان و لكل شخص حتى أقرب الناس لك .. و ما زلت
تدعى على ذلك اللص الحقير الذي فشل والديه في تعليمه صغيراً أو كبيراً معاني الضمير والأمانة و الشرف و لا ذرة لديه من الوازع الديني و تعاليم الحلال و الحرام... إختفــت التربية و تعليم
المبادئ و الاصول من بيوتنا و مدارسنا و
حتى من خطب شيوخ الجوامع و الوعاظ ..
فلم تكن تتخيل أبداً هذا الكم من موت الضمائر سواء لدى اللصوص أو الكثير من أنماط البشر التي
نقابلها كل يوم و في كل مكان.. لقد إختفت مشاعر النبل و النخوة من بعض اللصوص.. نعم فقد فكانوا على
الأقل أحياناً يتواصلون معك على الهاتف للمساومة على إرجاع مسروقاتك أو يكون بن حلال و
يرسل لك أوراقك الخاصة عن طريق البريد.. و رغم إنك تعرضت للسرقة أكثر من مرة
خصوصاً سرقة الهواتف المحمولة في خلال العامين الأخريين إلا أنك لاحظت إنها أصبحت
ظاهرة كبرى خصوصاً عندما شاهدت الكثير من المواطنين بين أروقة النيابة و مباحث التليفونات تعرضوا لسرقة
هواتفهم المحمولة .. و مع هذا و رغم خسارتك المادية لكنك لم تكن تهتم بالهواتف أو النقود المسروقة من المحفظة .. كان الأهم بالنسبة لك تلك الأوراق التي كانت تحويها المحفظة بطاقة الرقم القومي و فيز
المرتبات و المشريات و الرخصة و بطاقة
معاشات الوالدة و شرائح الهواتف المحمولة إلخ ... فهولاء هم هويتك.. رحلة من العذاب لا بد أن
تخوضها لإسترجاعها ولكن لن تكتمل بدون العنوان الرئيسي لها .. ألا و هي الحصول على هويتك الأهم في الأولويات.. بطاقة الرقم
القومي .
سألتني زوجتي ... عملت إيه .... تفتكروا
هقولها إيه ... عملت عيشة و لاا عنتر مثلاً .. العنوان باين من بابه ... تناولت هاتفها
الوحيد الذي لم يطاله اللص الذي أقتحم منزلنا في المصيف الساعة الخامسة صباحاً تقريباً قفزا
من شباك المطبخ الذي يسأل فيه منظمي الرحلة إدارة الخدمة الإجتماعية في محل العمل لأنهم تركوا شبابيك الشقة بدون صيانة أو أقفال و فإستطاع اللص الحقية أن يقفز منه ثم قام بالإستيلاء على هواتفنا و المحفظة و حتى الشاحن لم يسلم من السرقة.. هاتف زوجتى الوحيد الذي لم تتم سرقته فقد كانت من الحرص أن تحتفظ بهاتفها و
كيس نقودها تحت المخدة التي تضع رأسها عليه .. و كان هذا سبباً رئيسياً بفضل الله
تعالى في إستكمال رحلة المصيف لأنني لست من النوع الذي يحاول أن يطلب إعانة عند إحتياجه أو
يقترض من جار او إلخ ... أنا عندي أموت من الجوع و لا أسأل إنسان .. و لكن في أضيق
الأحوال و لو أصبح أمر واقع فسوف أذهب أنا و العيال وأمهم في هذه
الحالة لقسم شرطة المصيف لإستضافتنا في
الطعام و الشراب حتى ميعاد عودة أتوبيس الرحلة ليقلنا للقاهرة عنداً فيهم و رأفة بأسرتي و لأنني أحمل الجميع
ما حدث لنا سواء منظمي الرحلة من زملاءنا في إدارة الخدمة الإجتماعية أو الشرطة فهم مسئولين عما نحن فيه سواء في تأمين المسكن
أو تأمين نطاق الشارع كمصيف و ملاذ للناس التي سنحت لها الفرصة و سافرت مسافات طويلة و تكلفت أموال بغرض الإفراج عن النفس من هموم العمل و كبت الدراسة و أعمال المنزل ومأسي الحياه .. فلا يصح أن يتم تحميلهم هموم أخرى فوق همومهم ...
و هذا ما تحدثت به أثناء عمل محضر الشرطة لضابط معاون و بلوك أمين المباحث .. و الحق يقال فقد كان
ردهم مرحباً بنا في أي وقت .. ( و الله أعلم بالنيات ).. مع العلم بأنهم عندما حضروا
لمعاينة الشقة بعد إتصالي قالوا إن الحرامي ده شكله منكم فيكم ( يقصد فوج زملاء
العمل بالمبني الذي نسكن فيه ) .. لأنه لا يوجد لديهم مسجلين سرقات بتلك الطريقة في محافظتهم ( تقولش ملايكة يا أخي ) ... قالوا إن المسجلين عندهم إما مخدرات أو سلاح فقط... أما طريقة السرقة عن طريق مواسير المجاري و
القفز من شبابيك المطبخ لا يوجد حرامي مقيم على أرض المحافظة بتلك الطريقة و ربما يكون أحد جيران المسكن أو أحد القادمين لقضاء يوم في
مصيف رأس البر .. و عندما طلبت منهم تفريغ كاميرات المحلات المتواجدة حول المبني لأنه أكيد
سوف يظهر مين دخل و خرج في نفس توقيت السرقة ... فقالوا في روتين و لهجة إستياء ..( ده شغلنا إحنا )..
في الواقع لم أترك
مكان إلا و بحثت فيه عن متعلقاتي المسروقة من أوراق و كروت حتى أنني كنت أبحث في سلات القمامة و المهملات في الشوارع
أثناء ذهابي لشراء وجبات الطعام أو التسوق في الأسواق و أسأل أصحاب المحلات..على أمل أن يكون اللص تركها أو ألقاها عند أحد المحلات أو أحد البائعين.... بل حتى و نحن في طريقنا للشاطئ كنت أراقب على أمل أن أجد أوراقي و حتى أنني قمت بمناشدة جروبات
رأس البر على الفيس بووك في حال العثور على هويتي و أوراقي ملقاه بالتواصل معي ... ما علينا ... فلنرجع
لقصتنا الأساسية و لو أن ده جزء منها .. و يعتبر السبب الرئيسي في تلك البهدلة ..
بحثت في عالم الإنترنت عن الأقسام التي تقدم
خدمة مسائية في إستخراج بطاقة الرقم القومي حتى وجدت المركز النموذجي لقطاع الخدمة
المدنية بالعباسية يستمر في العمل حتى التاسعة مساءاً .. فعدت أستبشر خيراً و سألت
زوجتي أن تأتي معي لتكون ضامناً لي على سبيل الإحتياط حتى أنها إبتسمت و هي
تمازحنى ( هتدفع كام عشان أضمنك ) .. و تقبلت المزحة بمزاج عكر فلا أحد يشعر بما يجول في خاطري.. و ما هي إلا ربع
ساعة حتى إستقلينا ميني باص من منطقتنا يمر في طريقه على العباسية ... و كان الوقت
يمضى بسرعة عجيبة و تشعر أن السيارة تمشي ببطء شديد و كلما قابلنا إشارة مرور كأنها
توقف السيارة بالعند في حالي و يستمر الإنتظار حتى تفتح لكي تنطلق السيارة التي
كانت تقف لأي مواطن يشير للسائق أو حتى لا يشير له فمن مصلحة السائق أن تمتلئ
السيارة بالركاب حتى يحصل على مكافأة نظير تحصيل كمية تذاكر سيارته .. و كلما توقفنا في
إشارة أصيح في زوجتي .. بأن القدر يطاردني و ليس لي نصيب اليوم و أطلب منها أن
ننزل و نعود للأولاد فكانت تصبرني بأننا بالفعل خرجنا من المنزل و لنكمل رحلتنا
رغم إحباط السائق عند سؤاله هل المكان مفتوح فترك لنا علامات إستفهام تفيد بأن
اليوم هو الخميس و ربما يكون نصف يوم عمل .. حتى أنني كنت أشعر أنه مسلط علي و أريد أن أرجمه بكل قسوة همومي .. وبعد وقت طال على قلبي و كنت ما زلت في قمة الإحباط .. حتى
وصلنا أخيراً لوجهتنا و غادرنا الميني باص و أسرعنا نعبر الطريق و لم نعير أبواق السيارات المارة أي إهتمام .. كان كل تركيزي على إيجاد ضالتنا .. و ما أن رأيت عنوان المركز و فترة
العمل حتى الساعة التاسعة مساءاً إلا و قد تنفست الصعداء .. أخيراً شعرت ببعض الراحة المزيلة بهوامش القلق ..
دخلنا و نحن نتعشم في الله أن ييسر لنا
أمورنا .. قدمنا الأوراق لأمين الشرطة المعني بذلك و سألني عايزها في نفس اليوم ..
قلت له يا ريت .. فقال إتفضل إنتظر
دورك .. إنتظرنا على أحر من الجمر و كلما يمضى الوقت أزداد قلقاً فقد كان المكان
مزدحم و الوقت يمر أسرع من المعتاد حتى أخيراً بعد ساعتين من الإنتظار القاتل نادت
موظفة شباك الإستعلامات على إسمي فقمت أمام الشباك التي تطل منه قائلاً أفندم .. قالت معاك ضامن .. قلت لها نعم زوجتي .. فأمرتني بأن أستخرج قسيمة زواج بمبلغ ثلاثون
جنيهاً من المبنى المجاور فإعترضت قائلاً يا فندم أنا مسروق و عامل محضر و جايب
مذكرة بفقد الأوراق إللي كانت في المحفظة وجواب من الشغل .. و تعمدت أن أقول لها
يعني مافيش في بيتي فلوس وبطاقة المرتب واقفة و سالف عشان أطلع البطاقة كل مصالحي
واقفة و مراتي معايا و بطاقتها سارية و مكتوب فيها أنها زوجتي و عندكم على السيستم
بياناتنا يعني لو مطلقين هتعرفوا لو حد مات هتعرفوا .. و يا ليتني ما إعترضت صاحت أمامي بصوت عالي و هي تطلب منى عدم الحديث أو مناقشتها وإلا سوف تصمم على رأيها وتعطل المصلحة.. عادت
تراجع الأوراق و يبدو أنها تأكدت أن أوراقي سليمة أو ربما أكون صعبت عليها و لو أن
سحنتها لا تقول ذلك فهي ما شاء الله كالبومة أو الخفاشة التي تنعق في وجهك و لا يحق لك لومها
أو الإعتراض و إلا هتوقف كل مصالحك .. هذا النوع من الموظفين هو مع الأسف نمط في أجهزة و
مصالح الدولة تتعامل معه و تراه حولك في كل مكان وفي كل وقت حتى في نطاق عملك السيدات منهم كالبوم و الوطاويط .. أما الرجال منهم فبعضهم كالغربان وإذا فكرت تعاتبهم أو تطلع ملاحظات على شغلهم أو أخطاء .. يا ويلك يا سواد ليلك ده أنت ممكن تلبس قضية تعدي على موظف حكومي أثناء عمله أو أي تهمة بأي مسمى آخر ( الورق ورقهم و الدفاتر دفاترهم )... حضرتها طلبت مني
الإنتظار و زوجتي تسأل في قلق عندما رأتها تصرخ بصوتها إللي شبه صوت مدفع رمضان..شاورت لها بأن تصمت.. و عدنا ننتظر مستسلمين للصبر في قاعة الإنتظار
نتأمل أحوال البشر حولنا سواء من المواطنين طالبي الخدمة أو السادة الموظفين مقدمين الخدمة و ما بين التساهيل و التعقيدات
كلاً حسب قدره و نصيبه .. مسرحية هزلية و تعبيرات عجيبة مرسومة أعلى الوجوه.. إحباط .. يأس .. لا مبالاة .. حتى الموظف الذي يؤدي وظيفة التصوير يبتسم في وجه السيدات الحسناوات و يتقمص شخصية الرومانسي البرئ و هو
يخيرهم بين لقطة الصورة وهل أعجبتها أما هل تحب أن تعيد تصويراللقطة مرة أخرى بتغيير وضع الإبتسامة على عكس تصوير الرجال تشعر أنه تحول لإنسان آخر كشر الوجه يظهر الغضب في عينيه و يقوم بتصوير الرجل في بطاقة الرقم القومي و كأنه خارج من الأحداث أو معتقل المغول أو يجعله يشبه أحد
الإرهابيين من عتاولة الإجرام... إنقضى الوقت ما بين اللخبطة في دور الأوراق و كل
من له معرفة يتحرك ورقه من أسفل لأعلى أولاً
وسط سخط الحضور ممن لا يعرفون و لا لديهم واسطة إلا الله ... أخيراً تحرك
ورقي نحو موظفة مراجعة الشئون القانونية الشباك التالي للبومة الأولى التي كانت تميل على أدنها و تحدثها عن ملاحظات على ورقي .. فأخذت تقلب
أوراقي ثم نادت على و أنا أتخبط بين ضربات قلبي خوفاً من أي خوازيق جديدة تفاجأني
بها لكني وجدتها تسألني حضرتك عايز البطاقة النهاردة فأومت برأسي نعم .. فقالت
إدفع وصل بمائة و ثلاثون جنيهاً ثم طلبت توقيعي وتوقيع زوجتي و بدون تردد دفعت المطلوب ثم أمرتني أن أنتظر
التصوير أخيراً لأن موظف التصوير المختص خلع و كان زميله الذي يسلم البطاقات من شباك أخر هوالذي يقوم بتصوير المواطنين .. أخيراً شعرت ببعض الإستقرار و طلبت من زوجتي أن تعود
للمنزل رأفة بها من الإنتظار بعد أن وقعت الأوراق كضامن لي .. و لأن هناك طفلة
رضيعة لن تقدر على الإنتظار .. ولو أنها عادت تمازحني مرة أخرى قبل ان توقع
الأوراق هتدفع كام عشان أضمنك و كدت أن
أصرخ فيها و في كل الحضور رغم أنني على يقين أنها تمازحني و تظاهرت بالغضب و أنا أهددها بأنني
سوف أطلقها و أهجر البيت و الدنيا و هسيب الدنيا و محدش هيعرف عني حاجة لأنني بدون هوية يعني هتشوفوا
الويل ..لا مرتب و لا معاش ولا ميراث ..
فأنتم الخاسرون أولاً وأخيراً هاخد الخيمة و الصنارة و هسيبلكم الدنيا كلها و أروح في أي نصيبة في حتة محدش يعرفني فيها معايا نومتي و أكلي من الصيد .. الوقت كان ليس مناسباً نهائياً للمزاح ..
هكـــذا جاء الدور لتصويري ضمن البطاقات العاجلة و
دفعت مرة أخرى خمسة عشر جنيهاً ثمن التصوير كما طلب الموظف المصور ثم أخذت كعب الإستمارة لإستلام البطاقة الساعة
الثامنة مساءاً و خرجت لتوصيل زوجتي لأٌقرب مواصلات للعودة للمنزل بينما فضلت أن
أنتظر حتى إستلام بطاقة الرقم القومي.. و كانت الساعة قاربت على السادسة حينما
غادرت زوجتي .. فقررت أن أتحرك قليلاً نحو ميدان العباسية القريب لتغيير الملل
الذي كان يطاردني و كنت أشعر بالجوع كلما مررت على أحد المطاعم والأسواق لكن كان
من الأولى أن أبحث عن مسجد لأصلي العصرقبل أن يؤذن المغرب و فعلاً وجدت مسجداً و
كان الباب مغلقاً و خرج منه أحد الأشخاص فسألته عايز أصلي العصر أنتوا قافلين
الباب ليه .. نظر إلى بإستغراب و قالي أن الجامع بيقفل بعد الصلاة مباشرة .. صممت
بقولك عايز أصلي ...فرأف الرجل بحالي و أدخلني فقمت بالوضوء و صلاة تحية المسجد ثم
صلاة العصر ثم خرجت متوجهاً للبحث عن مطعم و بالفعل وجدته و أخرجت ورقة بعشرين جنيهاً و طلبت سندوتش سجق مشوى
على الفحم ... وقفت أمام المطعم في الطريق أراقب المارة و السيارات و أنا أتناول
السندوتيش ثم إشتريت زجاجة مياه و أنا أحاول أن أضيع الوقت ..قاربت الساعة من
السابعة و ما بين نفسي و ضميري صراع الأولى تريدني العودة لإستلام البطاقة بمبرر
أنهم ممكن يغلقوا المكان دون أن أستلم البطاقة و الثاني يسمع قرأن المغرب و يطلب
مني إنتظار الصلاة جماعة قبل إستلام البطاقة و خلال تلك الدقائق المعدودة و صراع
النفس و الضمير و تحرك قدماي نحو مكان إستلام البطاقة خطوة و العودة لإتجاه المسجد
خطوة أخرى إلى أن سمعت الأذان و كأنه يناديني فإنتصر ضميري على نفسي و أسرعت
للمسجد و صليت مع الجماعة و إنتهينا و عدت إلى مقر إستلام البطاقة و نفسي توبخني و
تهيأ لي أنهم أغلقوا المكان و رحلوا و كلما قاربت من المكان أشعر أن الناس إختفت و
أن الزحام لم يعد موجوداً فتصارعت داخلي الأفكار حتى وصلت و وجدت البعض ينتظر ممن
دفعوا ليستلموا البطاقات اليوم فجلست وسطهم في المكان المخصص للإنتظار و كل خمس
دقائق أسأل الجالس بجواري هي الساعة بقت كام دلوقتي .. الكل ينتظر في شوق و حنين
لإستلام بطاقة هويته في الموعد المحدد ..و أخيراً تحرك أمين الشرطة وقال خمس دقائق
هروح أجيب البطاقات من المبنى المجاور أجيلكم أسلمها و ذهب و كل دقيقة تمر أشعر كأنها أيام ... إحساس رهيب عندما تشعر
كأن هناك جزء ناقص منك .... و في حوالي الثامنة و الربع عاد الأمين ببطاقات
الأرقام القومية و أسرع الجميع كأنهم كانوا ضلوا طريقهم في صحراء و جاء الغوث ..
أسرع الجميع إلى شباك النجدة حيث بدأ الموظف ينادي على بطاقة بطاقة بإسم صاحبها و
الكل ينتظر الغوث و كلما إستلم صاحب بطاقة بطاقته يبتسم و هو لا يصدق حتى بعض
السيدات قمن برفع زغرودة بإستلامهم بطاقة هويتهم أما أنا فلم يشعر بي أحد .. لم
أسمع إسمي و قاربت البطاقات على الإنتهاء بلا أي أمل و مر الوقت ثقيلاً و أنا في
إنهيار معنوى رهيب حتى لحظة سماع إسمي ينادى عليه .. أسرعت كالذي يغرق و تظر له
قشة وسط البحر يحاول أن يصل إليها .. لقد كانت لحظة من اللحظات التي تمر عليك و لا
ولن تستطيع أن تنساها أبداُ في حياتك ..لقد كدت أن أنسى أسمي و نفسي .. سلمت كعب
الإستمارة و إستلمت البطاقة و أنا لا أصدق بيني و بين نفسي بينما أشعر أن الجميع
موظفين مدنيين و أمناء الشرطة و المواطنين كلاً يراقبني ... إستلمت البطاقة و أنا
أشكر و أحمد الله و أخذت أتأملها و أنظر إليها و أنا في أعماقي صراع بين مشاعر
الإنتماء ومشاعر العداء و التمرد .. لأنني إنتهيت من رحلة العذاب الأولى و سوف
أستعد لبقية رحلات العذاب لإستخراج بقية الأوراق المسروقة .. أخيراً عثرت على هويتي
المفقودة التي إستحلها أحد لصوص الوطن من معدومي الضمير و تركك تعاني بينما هو يهيم في عالم آخر أو ربما يتربص
لضحية جديدة .. أو ربما إنتقم منه القدر بطريقة ما .. في الأول و الأخر هو رزقه سواء كان حلال أو حرام و يا عالم لو كنا إصطدمنا سوياً وقتها فمن يعلم ربما عدت من المصيف قاتلاً أو مقتولاً... ما علينا فالمكتوب مكتوب
في الواقع أنا مش عارف ليه الناس بتحزن
لما حد عزيز عليها بيموت .. أقسم بالله إللي بيموت في البلد دي بيرتاح من كل حاجة ده كفاية رحلة عذاب زي دي نعيشها تكرهك في الدنيا و إللي في الدنيا
... بنتولد بيدوخوا أهلنا في إستخراج الأوراق ... بنكبر بيطلع عين أبونا في
إستخراج أوراق هوياتنا و شهادات تعليمنا ... بيموت لنا حد بيطلع عين أهلنا في
إنهاء إجراءات الدفن ..
إحنا محتاجين
نتغير كتير .. محتاجين نفهم دينا كويس .. محتاجين نعلم و نربي الأجيال ونفهمهم الفرق بين الحلال و الحرام .. على المبادئ و الأصول مش على مفهوم المصلحة و الأنانية و التعريض و حب النفس بس ولا مفاهيم الطواغيت إللي بتتفرض علينا في حياتنا.. محتاجين
نعرف إن الدنيا دي فانية و نكون على يقين إن محدش
هياخد معاه حاجة غير عمله .. و كما ندين ندان .. فأحسنوا لحسن
الخاتمة .. و في النهاية لا نقول إلا
حسبنا الله و نعم الوكيل و نفوض الأمر لله
و إن الله بصير بالعباد ........
تعليقات
إرسال تعليق