إمبراطورية الكلابشات ... بقلم يحيي فؤاد الشلقاني

خمسة دقائق كانت الفارقة بين وصولي من عملى و دخولي منزلي قبل أذان المغرب بلحظات إستطاع أن يستغلها إثنين من اللصوص معدومي الضمير كان أحدهم يقوم بتأمين الشارع ( ناضورجي ) و الآخر يدخل بقلب ميت لكي يقوم بسرقة دراجتي الترينكس التي كان من عادتي أن أتركها قليلاً أمام باب شقتي بالدور الأرضي الذى كان مفتوحاً لتغيير ملابسي قبل أن أقوم بإدخالها لمكانها المخصص بالداخل و بالرغم من أن نوافذ الشقة كانت مفتوحة و توجد أصوات و حركة واضحة بالداخل إلا أن ذلك لم يمنعه عن المضي قدما في سرقتها

إستغل اللصان وقت إلهاء الناس في التحضير لوجبة الإفطار و لم يراعوا حرمة شهر رمضان الكريم وقف أحدهم بالخارج يراقب الشارع بينما دخل الآخر بجرأته متسللاً كالثعبان ليحملها دون ذرة خوف أو قلق حتى خرج بها للشارع و قام بقيادتها و وثب شريكه الآخر الناضورجي يركب أمامه و سرعان ما إختفى الإثنان وسط الشوارع كما كان واضحاً عند فحص كاميرات المراقبة لاحقاً .. 

بمجرد ما دخلت المنزل و خرجت لكي أعيدها للداخل فوجئت بإختفاءها في لمح البصر فأسرعت أعدو كالمجنون أثناء آذان المغرب أتجول في محيط الشوارع حول المنزل لعلى ألحقهما لكن مع الأسف دون جدوى ..

سألت الجيران و أصحاب المحلات المتواجدة في نطاق المنزل عما إذا أتيح لأحد رؤية اللصوص و لكن دون جدوى فقد كانت الإجابة بالنفي فمن سيهتم بدراجة تمر أمامهم في الطريق في هذا الوقت الذي يكون فيه أكثر الناس مشغولين بتناول الإفطار ..

و أخيراً إستسلمت لقضاء الله و لكن ما أحزني أنهم تسببا في ألم نفسي لزوجتى و بناتي الأطفال الذين رأوا هلعي  عند إختفاء الدراجة و شعروا بالصدمة فلم يتوقعوا أبدا في هذا الشهر الكريم أن يقوم أحد بالسرقة  خصوصاً الدراجة التي تعودوا على رؤيتها دائما فقد كانت تمثل لهم أحد أفراد الأسرة و رغم أنها كانت كائن معدني لا ينطق إلا إننا جميعاً شعرنا بمرارة فراقها خصوصاً بعد عشرتها الطويلة معنا فقد كانت كائن مخلص لنا و كنا نعتبرها فرداً نافعاً في العائلة فقد كانت تشاركنا في كل مشاويرنا الخارجية سواء كانت للعمل أو الأسواق أو الهواية و ترحمنا من زحام و تكاليف المواصلات .. 

في الواقع كنت أنا أكثرهم حزنا فكم شاركتني في رحلاتي و مشترياتي و في أفراحي و أحزاني بل و كانت سبباً كبيراً في تحسن حالتي المزاجية و النفسية و كذلك صحتي البدنية بدرجة كبيرة جداً  .. 

بإختصار كانت قيمة مضافة إقتصاديا و صحياً و معنوياً و أدبيا خصوصاً لمن هم في عمري و قد تجاوز الخمسين فقد كانت علاج أورجانيك فعال لقتل موجات الكسل و الطاقة السلبية داخلك تسببت بفرحة غير ملموسة و رضا نفسي كانت له نتائج إيجابية على أفراد الأسرة كلها..

كانت الصديق المخلص و المفضل الذي يشاركك سلبياتك و إيجابياتك و لا يشتكي و لا يغتابك و لا يخونك كانت تعيش معك على الحلوة و المرة ..

سحقا لهولاء اللصوص لأنهما لم يراعيا حتى حرمة شهر رمضان الكريم  و لكن كيف يتقى الله أمثالهم من حثالة المجتمع و قد ماتت ضمائرهم فإستحلوا  الحرام..
ربما بسبب البيئة التي نشأوا و ترعرعوا فيها أو ربما كان تقصير في تربية الأب و الأم أو تقصير في دور معلم المدرسة أو واعظ المسجد أو الكنيسة .. 

و ربما بسبب إختفاء دور الثقافة و المثقفين الذين كانوا لهم دور رئيسي في بناء وجدان الإنسان  من خلال أعمالهم في الحقبة الكلاسيكية الماضية.. 

و ربما بسبب إنتشار الأفلام والمسلسلات التي تحض على العنف و الهيافة و الأفكار الهدامة  و الاغاني الهابطة و برامج التوك شو التي فرضت علينا فهدمت و شوهت بأفكارها أجيال تحت مسمى الفن و الرقي أو غيره من المسميات الآخرى التي يتناولونها بغلاف لامع خلاب يشد و يجذب العقول الخاوية و القلوب التي لا تفقه شيئا و لا تفرق بين الحق و الباطل و الضمائر التي فسدت تماماً و أصبحت واقع نعيشه في مجال الإعلام و كل وسائل التواصل الإجتماعي..

مئات الأفكار تتسارع داخلي أثناء تناولنا الإفطار فيما كانت زوجتى تهون على و هي تدعو على اللصوص.. عندما عاد الهدوء من جديد بعد السيطرة على مشاعر الإنفعال بدأت أرتب أفكاري و بدأت بسؤال أحد جيراني في المنزل المجاور عن مدى إمكانية فحص كاميرات المراقبة لديهم للتعرف على اللصوص وافق على الفور و أرسل لي مقطع فيديو من أحد كاميرات المراقبة الجانبية سرعان ما أظهر ملامح اللصان اللذان إستغلا خلو الشارع من المارة و هدوء ما قبل الإفطار ..

و رغم أن الصور لم تكن واضحة إلا إنها كانت طرف الخيط الأول ثم توجهت بعدها إلي قسم الشرطة و قمت بالإبلاغ عن سرقة الدراجة و مواصفاتها و عنوان محل السرقة و أظهرت لهم لقطة فيديو من كاميرات المراقبة على هاتفي تظهر اللصان أثناء قيامهم بالسرقة .. 

و بعد أن قام أمين الشرطة المناوب بفحص المقطع المصور قام بالإتصال هاتفياً بأحد زملائه من أمناء المباحث ثم سألني أن أرسل إليه المقطع على رقم هاتفه و أذهب لمنزلي لمقابلته الأن فهو أمين شرطة المباحث المسئول عن هذا الجزء من الحي الذي أعيش فيه و ذلك لتفريغ جميع الكاميرات المتواجدة في الشارع بدقة ..

بالفعل عدت و قابلته ثم توجهنا إلى حجرة كنترول لتفريغ كاميرات المراقبة في المنزل المجاور لي و في أقل من نصف ساعة من الفحص و تفريغ كل الكاميرات ظهرت ملامح اللصان بوضوح فوجدته يبتسم و يطمئني بأن الدراجة سوف تعود و طلب مكافأته بإكرامية فوافقت برضا على أساس أن يعيدها لي .. و ما بين ملامح اليأس و الأمل شكرته و وعدني بأنه سيهاتفني قريباً..


في الواقع عندما رأيت إبتسامته بثقة تأكدت بخبرتي أنه علم بكينونة اللصوص و هم على الأرجح مسجلين لديهم في ملفات قسم الشرطة...

في تلك الليلة دعوت الله أن يرد إلي ضالتي رغم يأسي بأن لا شيئ يفقد في هذه البلد و يعود مرة آخرى و كلامي عن تجارب سابقة كثيرة عشتها في كل مراحلها كانت أكثر ألما و إحباطا آخرها سرقتنا في مصيف رأس البر منذ عام حيث إقتحم لص شقتنا فجراً و سرق نقودنا و هواتفنا بينما نحن نائمون و لم نشعر به و كأنه قام برش مادة مخدرة علينا و لولا ستر و عناية الله و لطف قضائه لكنا في خبر كان ..

و قبلها بأكثر من خمسة عشر عاماً هجم لصوص على منزلى و قاموا بكسر النوافذ أثناء تواجدنا في قريتنا الريفية و تم سرقة بعض المال و بعض المصوغات الذهبية و مجموعة من العملات النادرة كنت أحتفظ بها حينها و كنت حديث الزواج وقتها و لم يتم القبض على اللصوص وقتها هذا بخلاف بعض الهواتف المحمولة التي سرقت مني خلال الفترات الأخيرة إما من داخل مكتبي .. و إما من جيوب العباية بعد أداء صلاة جمعة أثناء الزحام بعد الخروج من المسجد .. 


و هذا و إن يدل إنما يدل على تفشي ظاهرة السرقة في مجتمعنا خصوصاً في الأدوار الأرضية التي تكون عرضة أكثر للسرقة و أعتقد أن أسباب تلك الظاهرة تنحصر في إنتشار مستويات الفقر و تعاطي المخدرات و الجهل بتعاليم الدين..

فيما بعد وجدت الأهل و الجيران و الاصدقاء و الزملاء يواسوني في مصيبتي و كأن الجميع يعلم و يشعر بما يجول بخاطري و كنت مقتنع بأنه قدر الله و ماشاء فعل و بدأت أعتاد على خروجي و إنتقالي إما سيرا على الأقدام أو في غياهب زحام و خنقة المواصلات..

مضى يوماً و بدأت أشعر بخيوط الكسل و الإحباط و الاستسلام و اليأس تتسلل إلى قلبي خصوصاً عند إستخدام المواصلات في إنتقالاتي و كلما خرجت لمكان ما أحدث نفسي و أقول أين أنتي الأن يا عزيزتي يا من كنت تهونين عني الكثير و الكثير و لكن ما كان باليد حيلة..

بعد يومان من المعاناه و في خلال ٤٨ ساعة حدثت معجزة .. العاشرة مساءً تلقيت اتصالاً من أمين شرطة المباحث يطلب مني أن أقابله فوراً في مكان قريب من منزلي بجوار كورنيش النيل و ما هي إلا لحظات قليلة ربما أسرع من لمح البصر إرتديت ملابسي و أسرعت عدوا حتى وصلت إلى مكان اللقاء و لم أشعر بنبض قلبي الذي يتسارع و يخفق بقوة و سؤال يجول في خاطري .. هل حقاً ما أشعر به حقيقة أم سراب .. 

هل تهتم الشرطة حقاً ببلاغ عن دراجة صاحبها مواطن مجهول و ليس لديه أي واسطة تساهم في تعزيز البحث عن ضالته كما يحدث عموماً ..

وجدته ينتظر و معه بعض زملائه في المهنة بجوار ميكروباص تحت شجرة و داخله سائقه و شاب هزيل الجسد يجلس في الخلف خائفاً و هو ينظر إلينا مرتجفا يراقبنا حتى تعرفت عليه من مقطع فيديو كاميرات المراقبة أنه يشبه اللص الذي كان يراقب الشارع للص الآخر..

في الواقع أحسست بمشاعر غريبة لا يمكن أن توصف بالكلمات..و لكنى صدمت حين أخبرني أمين المباحث بأنهم إستطاعوا القبض على أحدهم لكن الخبر الحزين بأن اللص إعترف بأنه و زميله الهارب قاما ببيع الدراجة في مكان ما في ضاحية أبو قتادة بمحافظة الجيزة و من الصعب عودتها مرة آخرى..

تسمرت قدماي لحظات فقد كانت كلماته كطلقة رصاص أظلمت كوة النور التى أضاءها داخلي عندما وعدني سابقاً بأنه سوف يعيدها إلي  و عندما وجد رد فعلي و الصدمة على وجهي بدأ محاولا طمأنتي و عاد ليلقى بشعاع أمل داخلي مرة آخرى .. 

طلب منى أن أدخل السيارة و فعلاً دخلت و جلست بجوار اللص الناضورجي زميل اللص الآخر الذي إستطاع الهرب قبل إقتحام الكمين المتحرك لمنزله و تحركنا في الشارع الرئيسي داخل الحي الذي أعيش فيه ..

و بدأ الأمين حواره مع اللص حديث يشوبه التفاوض بالنيابة عني بأنه في حالة إعادته الدراجة فسوف أتنازل عن المحضر و أمنع حبسه بل و سيمنح مكافأة.. أسلوب لا يصدقه غير فأر وقع في مصيدة و لا مفر من أي مخرج .. بدأ يساوم و ينفي و هو يتلعثم بالكلام فأمر الأمين السائق أن يتجه نحو قسم الشرطة كنوع من الضغط النفسي عليه حتى بدأ يقع في الخية.. فما أن وصلنا أسرع يقبل يدي لكي لا أتسبب في إعتقاله و سوف يعيد لي الدراجة و بالفعل بدأ يعترف و يرشد عن مكان الدراجة مقابل التنازل عن المحضر حتى لا يسجن بسبب إشتراكه في السرقة .. 

كنت أعيش داخل فيلم واقعي أبطاله أمين شرطة المباحث و أنا و المتهم بينما كان سائق الميكروباص أداة تقوم بتنفيذ أوامر التحركات ..

دخلنا شارع السوق بينما كان كل البائعين يرمقون السيارة و يختلسون نظراتهم و كأنهم يعلمون أنه كمين مباحث متحرك و يتساءلون عن هوية الهدف حتى وجدنا أحد الرجال يقف قبل نهاية الشارع و معه دراجتي الحسناء و كان من الصعب أن أصدق لولا وجدت رجل المباحث يلتفت إلي مبتسماً و هو يقول .. مبروك..

شعرت بالرضا و السرور و الحمد و شكرت الله في نفسي مراراً وتكراراً غير مصدق ما أرى و أنا أتحسسها حتى أتأكد بأنني لا أحلم ..

سرعان ما وضحت القصة فقد قام اللصان ببيعها لأحد المواطنين داخل السوق بثمن بخس لا يتعدى ربع قيمتها و حاول رجل المباحث القبض عليه لولا أن أحد زملائه طلب مراعاة ظروف عائلة المشتري الأسرية و فعلاً تم تحميل الدراجة داخل الميكروباص و توقعت أن تنتهي القصة هنا بإستلامي إياها و لكن مع الأسف كان توقعا سلبياً فقد أمر السائق بأن يتجه لقسم الشرطة مرة أخرى و هو يبلغ رئيسه هاتفياً بأن المهمة تم إنجازها بنجاح في حين لمحت صدمة في عيون اللص العشريني المستسلم لقدره و هو يحاول أن يتملص من المسؤولية بإلقائها على شريكه مدمن المخدرات الهارب. .

وصلنا قسم الشرطة ثم صعدنا لطابق المباحث لتبدأ المعاناه فلا تجد أحد يبتسم في وجهك ملامحهم يعلوها البأس و السطوة و لا تسمع غير أصوات غليظة آمرة هي عنوان القاسية قلوبهم بخلاف أذى الأذن من ذلك السباب الخارج بألفاظ لا تليق بمعنى الإنسانية ألفاظ خارجة عن الحياء يتم إستخدامها مع المشتبه بهم من المقبوض عليهم و إذلالهم و معاملاتهم معاملة غير آدمية .. نظام أسياد و عبيد..

أي إنسانية و أي رحمة و أي أسباب تدفع هؤلاء اللصوص و غيرهم من أرباب السوابق أن يقتلوا آدميتهم و كينونتهم و يصبحوا في هذا الوضع المذل و كأنهم قطيع من الحيوانات التي تأكل الجيفة و قد تم أسرها لتصبح عبيد لأسيادها .. أجساد بالية عفنة أكثرهم يبدو كأنه ولد مجرماً بلا إنسانية و دون كرامة تذكر..

إنتظرت طويلاً و كلما حاولت أفهم لماذا أنتظر و لماذا التأخير فقد تم القبض على اللص و إستردينا ضالتنا فلا تجد إجابة واضحة سوى كلمة إنتظر الريس ( يقصد رئيس المباحث ) معاه مفتش .. و كلما تأخر الوقت كلما شعرت بالإرهاق و القلق نحو من ينتظروني خصوصاً والدتي المسنة المريضة التي لا تستطيع أن تذهب لقضاء حاجتها دون مساعدتي و لكن لم يستجيب أحد لرجائي بإنهاء إجراءات ظننت لوهلة أنها سوف تنتهي بسرعة و شعرت بأنني اللص و لست الضحية..  

لا أحد يستجيب لظروفي و يتعاملون معي في منتهى البرود حتى إضطررت أن أواجه رئيسهم مباشرة بظروف والدتي فطلب معاودة حضوري غداً طالما أريد الإنصراف فسألته متى تحديداً فرمقني بنظرة إرهاب و كأنه يقول في نفسه أتجرؤا أن تسأل رئيس المباحث و تركني و دخل مكتبه و لم يعيرني أي إهتمام حتى تمنيت مرة أخرى أن لو كان لي واسطة من الأسياد لتقوم بالتأثير عليه إسوة بما هو مألوف في ذلك الوسط..

لاحظ أحد معاونين رئيس المباحث قلقي و توترى و الإرهاق الذي يبدو علي فقد كان الوقت متأخراً بالنسبة لي فطلب مني الإنتظار قليلاً و رغم ملامحه القوية إلا أني توسمت فيه خيراً فعدت أعمل بوصيته و أنتظر قليلا مرة أخرى حتى قاربت الساعة من الثانية و النصف صباحاً و قبل أن أقرر الرحيل من هذا المكان الموبوء و الذي تشعر فيه أنك سجين لدى الموساد بلد أعدائك و لست في وطنك الذي ترعرت فيه لقد كادوا أن يقتلوا في داخلي الانتماء و كل شيء جميل..

تم عمل مذكرة بمحضر وأرفق بها بطاقتي الشخصية و عندما طلبت استردادها رفض معللاً ذلك بأنني سوف أقوم بإستلامها صباح الجمعة من مقر مبنى مجمع النيابات و سألته ماذا لو تم توقيفي في أحد اللجان أثناء عودتي في هذا الوقت المتأخر و أنا بدون بطاقة إثبات شخصيتي.... إبتسم و هو ينظر لي بسخرية و يطمأني بعدم القلق من ذلك و أمرني بأن أكون في النيابة غداً التاسعة صباحاً فإندهشت و أنا أشير إلى أن يوم الجمعة عطلة رسمية لكنه إبتسم و هو يقول في سخرية .. شغالين إن شاء الله..

غادرت القسم سريعاً حتى أستطيع تجهيز طعام السحور لوالدتي المسنة فقد كانت زوجتى و أبنائي يتناولون إفطارهم مع جدهم في قريتنا الريفية بعد أن سمحت لهم بالسفر لتخفيف حدة التوتر و الألم النفسي الذى عاصروه أثناء سرقة الدراجة..

في تلك الليلة لم أعرف للنوم طريقاً و رغم إرهاقي إلا أنني حرصت على الاستيقاظ مبكراً و الإغتسال حتى لا أتأخر عن ميعادي مع وكيل النيابة و بالفعل وصلت التاسعة و الربع تماماً و رأيت الطريق خالي و كذلك مبنى مجمع النيابات إلا من جنود حرس المبنى العملاق فإختنقت لبرهة متخيلا بأنني كنت ضحية سخرية أمين شرطة المباحث بالقسم و لكنى وجدت رجلان و إمرأة تحمل طفلاً ينتظرون على السلالم الجانبية للمبنى و ذهبت أسألهم فأجابوني أن العمل يبدأ فعلاً في العاشرة و الدخول من بدروم جراج المبنى الجانبي.. 

و بعد قليل تلقيت اتصالاً من أحد أمناء الشرطة من سيارة الترحيلات يطمئن على وصولي فأجبته بالإيجاب و كانوا تقريباً على وصول..

بالفعل وصلت سيارة الترحيلات التي تحمل المتهمين و سرعان ما هبط منها المتهمين مكلبشين بالأساور الحديدية ( الكلابشات ) و كان الأمناء المرافقين لهم يقومون بتنظيمهم للإستعداد للصعود للنيابة بالطابق التاسع عن طريق المصاعد ثم بدأ ينادي على أسماء المجني عليهم و أنا أحدهم و قام بتجميعنا و فعلاً صعدنا حتى مكتب وكيل النيابة و الذي وصل بعد نصف ساعة و دخل مكتبه و بدأ يطلب مقابلة كل ضحية على حدة لأخذ أقواله ثم يستدعى المتهم لسماع دفاعه..

و عند دخول لص الدراجة نظر إلي في إشفاق طالبا العفو و التنازل على المحضر و أنه سوف يتوب و لن يفعل ذلك مرة آخرى بعد ما رأه في الليلة الماضية التى قضاها في حجز قسم الشرطة و رغم تحذير أمين شرطة المباحث الذي قام بالقبض عليه من عدم التنازل عن المحضر لكني أشفقت عليه و على والديه و مستقبله و كان في نيتي ذلك رغم أن هذا اللص و زميله تسببا في أذى نفسي لأهل بيتي لكن فطرتي إنتصرت على نفسي الشريرة  فطمأنته بأنني سوف أتنازل طالما أعاد لي الدراجة و الحمدلله فأنا لا أحب أن أكون متسببا في أذى لأي إنسان مهما كان خصوصاً في هذا الشهر الكريم..

تحدثت مع وكيل النيابة و أعلنت له عن رغبتي في التنازل و العفو عنه و ذكرت له أسبابي فوعدني بأنه سيجلس مع المتهم و يقوم بتقييمه هل يستحق أن يتم العفو عنه أم يسجن ..

و هكذا تداول وكيل النيابة كل المحاضر القادمة من قسم الشرطة يقابل المجني عليهم أولاً ثم الجاني و بالطبع خلال تواجدي في الإنتظار تعرفت على بعض الضحايا من أصحاب القصص التي تصلح أن تكون أعمال سينمائية فمثلاً أحدهم زوجة تتهم زوجها بالنصب و الاستيلاء على أموالها و متعلقاتها و قام بالتعدى عليها في الشارع و خطف إبنها من زوج أخر .. و آخرين ضحايا عراك بأسلحة بيضاء و بلطجة و مخدرات و  مشرف أمن موقع إستطاع أن يقبض على لصان تهجما على موقعه لسرقة بعض مهمات الشركة التي يشرف على حراستها إلخ...

قصص كثيرة لنماذج من واقع الحياه المزعج الذي أصبح واقعاً فرضيا على المجتمع و إستمر الحال هكذا إلى أن خرج الوكيل لصلاة الجمعة في حين تخلفت أنا عن الصلاة بسبب التوتر النفسي بسبب ما أنا فيه الأن و إحساسي بالتقصير و بأنني السبب في التأخير عن مراعاة أمي المريضة التي ربما تكون في حاجة لي الأن ..

و أخيراً عاد الوكيل و بدأ يطبق قراراته في كل محضر و جاء دوري مرة آخرى و طمئني بأني أستطيع إستلام الدراجة من مقر القسم مساء اليوم و أعاد إلي بطاقتي الشخصية و شكرته قبل أن إنصرف و أغادر سريعاً لكي أطمئن على أمي .. 

في الواقع كان إنساناً مهذبا دمث الخلق مثال للتواضع  بإختصار إبن ناس ممن أصبحوا من النوادر في تلك المناصب السيادية ..

لاحقاً بعد صلاة العشاء توجهت للقسم لإستلام الدراجة و لكن مع الأسف دون جدوى بعد مقابلة بعض ذوي الوجوه النكدية ممن يرتدون ملابس الشرطة من بعض الضباط و الأمناء الذين يتسببون في الإساءة لجهاز الشرطة بأكمله بسبب ضيق أفقهم و عجرفة معاملتهم مع المواطنين بكبرياء و قلة ذوق و كأنك تتسول منهم أعمالهم المنوطين بقضاءها ألا و هي قضاء مصالح الناس ذلك المعنى الذي لا يفقهه أكثر العاملين في الوظائف العامة في الأماكن التي تقدم خدمات للجمهور

رفض بقسوة في حديثه و طلب منى أن أحضر غداً صباحاً لمقابلة محقق الضبط و الأحراز لإستلام الحرز الخاص بي ألا وهو الدراجة و لم تفلح محاولاتي معه فأرسلني إلي ضابط مكتب حقوق الإنسان لأستأذنه فرفض بل و تركني و أنا ما زلت أحدثه غادر و كأنني لا شيئ .. فخرجت و أنا أشعر بالغثيان من تلك المعاملة التى تشعرك داخليا بأنك عبد لديهم أو المجرم و لست الضحية و عدت أجر ورائي إحساسي بالقهر و هزيمة الإنسان داخلي...

أي نوع من أنواع البشر هؤلاء الذين لا توجد في قلوبهم ذرة رحمة أو كلمة طيبة ؟.. ألسنا نتشارك في الإنسانية !.. ألسنا بأبناء وطن واحد كلنا !.. ألسنا جميعاً بأبناء آدم !..

في النهاية إضطررت للإنتظار حتى صباح اليوم التالي .. و بالفعل قبل أن أذهب لعملي صباحاً قمت بالاتصال بزملائي لأستأذن في تأخيري بعض الوقت حتى أستلم دراجتي من قسم الشرطة و فعلاً ذهبت للقسم و إنتظرت حتى حضر المسئول عن تسليم الأحراز و طلب تصوير بطاقتي بعد مراجعة قرارات وكيل النيابة فيما يخصنى و بالفعل لم تمضى نصف ساعة إلا و قد إستلمت ضالتي أسرعت أتأملها و أنا أشكره من أعماق قلبي ثم خرجت للشارع مسرعاً و كأنني خرجت من مستعمرة الجذام و أنا أقودها حامدا شاكراً الله حتى مقر العمل وسط فرحة زملائي و أهلي و جيراني بإسترداد الدراجة التي عادت لتضيء مكانها المظلم مرة آخرى في الركن المخصص لها داخل منزلي و مرة آخرى عادت الحياه إلينا كما كانت سابقا بعد أن إنتهت قصة فراق و معاناه و صبر و لم أنسى أن أكافىء أمين شرطة المباحث كما وعدته في حالة عودة الدراجة ..

أحياناً نقدر معاناة طائفة الشرطة و نلتمس لهم الأعذار بسبب تعاملهم مع كافة نوعية المجرمين المنحرفين داخل مجتمعنا سواء كانوا نصابين أو لصوص أو غيرهم من جميع المفسدين في الأرض..

و أحياناً نراهم يتجاوزون في معاملتهم مع الناس فلا يفرقون بين الجاني و المجني عليهم و خصوصاً عندما نضطر للتعامل معهم سواء في إستخراج أوراق رسمية أو عندما نكون ضحايا لسرقة أو جريمة ما فتراه يتعامل معك بعجرفة و قلة ذوق و نظرة إشتباه ربما إكتسبها خلال عمله الطويل في ذلك المجال أمنيا .. 

و لأننا لا نملك إلا أن ندعو عليهم و على كل من في شاكلتهم و بالطبع إلا من رحم ربي طبعاً ممن يتقي الله في عمله من المحترمين منهم و لكننا نتحدث عنمن مات ضميره و أظلم قلبه سواء كان شرطي ظالم أو مرتشي .. سواء كان موظف لا يراعي الله في عمله أو منصبه أو بائع يغش الناس في بضاعته و ميزانه.. أو طبيب لا يتقي الله في مرضاه أو معلم فقد رسالته المقدسة في تعليم الأجيال من أجل المال أو صنايعي لا يخلص في عمله أو حتى فلاح يروي الزرع الذي يأكله الناس و الأنعام بمياه الصرف الصحي أو حتى حاكم مستبد على رعيته و كذلك الإمام الذي لا يقول كلمة الحق في وجه سلطان جائر.. هؤلاء ليس لنا إلا أن ندعو الله عليهم بحسبنا الله و نعم الوكيل عندما نراهم مفسدين و ظالمين و مرتشين و مستغلين نفوذهم و سلطانهم في الشر و نفوض الأمر لله و نحن على يقين بأن الله يمهل و لا يهمل فهو يعز من يشاء و يذل من يشاء فلا تشك لحظة بأنهم ليس لهم عقاب لأن الله لا يصلح عمل المفسدين و سوف يعاقبهم بمثل ما فعلوا من خلال يسلط عليهم جنوده و أقداره و ما يعلم جنود ربك إلا هو سواء كانت إبتلاء بالأمراض في أنفسهم و أحبائهم أو يحيك لهم القدر حوادث قد تكون سوء خاتمة لهم و قد تكون كعبرة أو أية لهم إن أراد هدايتهم و أحياناً يذيق بعضهم بأس بعض فيسلط عليهم من لا يرحمهم إنه خزي لهم في الدنيا قبل الآخرة.. و في نفس الوقت 

     ( ويشف صدور قوم مؤمنين )


ممن تسببوا في ظلمه و أذيته أنه القضاء و القدر و عدل الله في الأرض فكما ندين ندان يا سادة و كلا يجري لأجل مسمى و عملك إما حجة لك و إما حجة عليك... و ما كان ربك أبدا بظلام للعبيد
فاللهم إضرب الظالمين بالظالمين و أخرجنا من بين إيديهم سالمين



تعليقات

  1. وليه حضرتك متقولش ان كل اللي
    بيحصل لحضرتك ده نتيجه شئ غلط انت بترتكبه وده عقاب من ربنا ليك على الاشياء دي بتزيقك المراره علشان تراجع نفسك وتكفر عن سيئاتك

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أضغاث أحلام

منقول.. لتنوير العقول

الفيتو