براءة في ذمة الله

 حورية من أهل الدنيا عيناها تضيئ دروب الظلام في نفوس الذين مات  الأمل في قلوبهم فتعيد لهم البهجة و السعادة و التفاؤل .... إسمها براءة و هي حقاً قمة البراءة ... فما أن يراها أصحاب القلوب البيضاء إلا و إزدادت قلوبهم صفاءاً و بياضاً مثل الحليب ... و عندما يراها أصحاب القلوب السوداء  تزلزل كيانهم ببراءتها و نسائم طلتها ..

إبتسامتها تهز أعماق المشاعر البريئة فترسم ضحكة طفل ما زال في مهده حراً طليقاً لم تمسه أي من أبغاض و أحقاد الرجال بعد ... كانت مسخرة من أجل إسعاد الآخرين ... تنشر الرأفة و الرحمة في قلوب القساة و العتاة ..

تعلمت براءة علم الطب و برعت فيه و تخصصت في الأمراض السرطانية و حصلت على أعلى الأوسمة و النيشاين لجهودها العميقة في علاج الأجساد التي أصابها المرض الفتاك ..فإكتسبت إحترام الصغير قبل الكبير في أوساط مرضاها و معلميها و أهلها و جيرانها فقد كانت تدعم الجميع في فيضان من أعمال الخير و المودة في عصر إمتلأت فيه القلوب إما بالشر واليأس و إما بالأحقاد ,,,

عصر إمتلأت به الأرض بالكثير من أشرار البشر و الذين فاقت شروهم الوحوش الضارية و هيمنوا على أجزاء كثيرة من الكوكب العجوز ... كانت روح براءة نقية تفيض فتغسل قلوب الطغاه لتلين و يعودوا إلى أصلهم الإنساني ... كانت مخلصة لربها و عملها و زوجها و طفلاها ... لم يمنعها العمل عن تربية أبناءها و هيأتهم ليحفظوا كتاب الله في سنوات قليلة مثلما حفظته في صغرها ... لم تعرف التضحية هذا المعنى من قبل إلا على يد براءة و لأن صيتها ذاع في مصر و العالم .. إختارتها الأمم المتحدة لتكون ضمن قافلة طبية مكونة من بعض أطباء العالم4 في مناطق الصراع في الشرق الأوسط لتساهم في تشخيص و علاج ضحايا الحروب .. و إعترض الزوج متعللاً بالأخطار التي تهدد حياتها فرفضت و أقنعته بأنها لا تستطيع أن ترفض هذه الرسالة من أجل أن ترفع البأس و البؤس عن ضحايا الحروب ......... و قبل أن يمر الأتوبيس الخاص بهيئة الأمم المتحدة من منفذ الحدود إستدعاها رجال المخابرات المرابطين في مكتب إداري بالمنفذ الحدودي و أعلموها بأن غزة المحتلة بواسطة العدو الصهيوني يعتبر مكان غير آمن رغم الهدنة المعلنة و تستطيع التراجع الأن ... فأصرت على المضى قدماً لتلبي النداء الإلهي رغم الخطر المتنامي من عدو لا يؤتمن ... قتل كل معاني جميلة للحياه في غزة و تركت أهلها ضحايا مجازر إما يتامي أو ثكالى يعيشون وسط دمار سببته ألة الحرب الصهيونية التي قضت على كل أخضر و ملئت قلوب الأطفال بالرعب في سابقة لم تحدث في تاريخ الإنسانية أمام صمت ضمائر العالم الذي وقف يشجب و يدين.... أصرت براءة على أن تخوض هذه التجربة و شكرت لهم الإهتمام و الخوف على حياتها و هي تذكرهم بآيات الله جلاجلاله ( لا تدري نفس ماذا تكسب غدا و لا تدري نفس بأي أرض تموت )..... ..

تحركت القافلة في أتوبيس رحلات و خلفه سيارة محملة بأدوية و مساعدات لأهل غزة .. و بعد أن عبرت منفد الحدود التي تفصل غزة عن مصر و بعد لحظات بدأت تظهر آثار الدمار و الخراب تظهر في المباني و الطرقات و بدا الحزن ظاهراً في عيون أفراد قافلة أطباء بلا حدود الذين تطوعوا من كل أنحاء العالم ليساعدوا في بث الأمل في نفوس أهل غزة و هم يراقبون من خلال نوافذ الأتوبيس مشاهد في منتهى البشاعة ... في حين كانت عينا براءة تذرفان دموعاً لا تتوقف من هول من كانت تشاهد الخراب و الدمار الذي حل بالأرض و أخذت تتخيل الأحداث و ظائرات العدو تقصف البشر في الشوارع و البيوت تقتل الأطفال و الشباب و النساء و الشيوخ ... و بعد وقت لم يكن هيناً للقافلة الطبية وصل الجميع إلى المستشفى الذي تآثر بالقصف الجوي لطائرات العدو الصهيوني .. و إستقبلوهم الأطباء و التمريض و كأنهم كانوا ينتظروا الغيث و الدعم و من ثم قادوهم للداخل و هم يشرحون لهم الأقسام المتواجدة و شد إنتباه براءة أثناء سيرها في الممر وجود صبي يرقد على فراش و جسده موصول بأنابيب و أجهزة الإنعاش الحيوي .. فتوقفت أما زجاج الحجرة .. و إنتبه الجميع لتلك الحركة و تجمعوا في حين أخذ طبيب المستشفى يشرح حالته بأنه كان يلعب على شاطئ البحر مع أقرانه حين هاجمتهم إحدى طائرات العدو و القت عليهم قنبلة عنقودية تسببت في مقتل كل أقرانه و حرمته من ساقيه بل و أصابته مواد مشعة فجعلت جسده النحيل شاحباً بلون مائل للزرقة لم يستطيع الحضور خصوصاً النساء من أن يبكوا لحاله بينما طلبت براءة الدخول لرؤيته في حين منعها الطبيب لأنه أخذ جرعة مشعة و لا بد من إجراءات السلامة أولاً قبل الدخول ... لكنها صممت و هي تفتح باب الحجرة و أسرعت إلى الملف المرضى الخاص به و فتحته و بدت تقرأ تقاريره و تحاليله و تنظر إلى آشعات إكس و الرنين و غيرهما من الآشعات ...... ثم سألت عن أهله فأخبروها بأنهم نالوا حتفهم في القصف المتوحش نتيجة هدم المنزل عليهم ,,,, فلم تستيطع براءة أن تكتم صرخة مكتومة لأول مرة تفقد الثبات الإنفعالي الذي كانت تجيده فقد شاهدت حالات مرضية كثيرة في بلدها و كانت تتألم لهم و لكنها تسيطر على إنفعالتها و تقوم بعمل برنامج علاجي يؤهل مرضاها إلى أن يكونوا أحسن مما كانوا عليه و يستطيعون أن يمارسوا حياتهم الطبيعية ... لكن في حالة هذا الصبي ياسر سألت نفسها مادا تستطيع أن تفعل له ... لأول مرة شعرت إنها عاجزة .. في حين تحدث إليها الطبيب و هو يأخذ شهيقاً قوياً بأن هناك حالات أكثر مأساة من ياسر و قصص لا يصدقها خيال بشر ... لم تبكي مثل ما بكت الأن و هي تلعن هؤلاء الصهاينة و ما فعلوه بهؤلاء الأطفال و هذه البلاد و لعنت الأمم المتحدة و اليونيسكو و منظمة العدل الدولية ... لعنت كل الحكومات و الحكام ... لعنت كل بشرى رأى أو سمع عن هذه المجازر و لم يتحرك ساكنا .... تمنت لو لم تكن متواجدة في هذا الموقف

و شعرت بالإختناق و أسرعت للخارج لتستنشق الهواء و أخرجت هاتفها الخلوى و حاولت الإتصال بزوجها لكن بلا أمل فقد توقف الإرسال في هذا المكان نتيجة لتدمير أبراج الإتصالات... و زاد إنفعالها وسط بكاء صامت و هي تتضرع إلى الله بأن ينتقم من الصهاينة الخونة و هي تصرخ هؤلاء ليسوا ببشر أبداً و ما كادت تمتم بلا حول و لا قوة إلا بالله .. و دعت ربها أن يخلصها من ألمها إلا و حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان .. فقد كان هدير طائرات العدو صاخباً في سماء المكان و أمطرته بالقنابل و الصواريخ و في أقل من ثانية أصبحت المستشفى كومة رماد على الأرض و إختفت براءة من الساحة لوهلة و عند إنتهاء غارة العدو و مغادرة الدخان و الأتربة ظهر جسد براءة ممتد تحت الركام و قد تناثرت الدماء من حولها و كانت شهيدة لغدر الصهاينة ...جثة هامدة عيناها تنظر إلى السماء ... و صعدت روحها الطاهرة إلى السماء و بينما نظرت براءة إلى جسدها الملقى تحت الركام و كانت تبتسم في أعماقها فقد غادرت إلى الحق ,,, و في خبر عاجل على شاشات التلفاز في كل أنحاء العالم و بكت الدنيا على فراقها و تم تكريمها و هي لا تحتاج تكريم البشر فقد كرمها خالقها .. و أصبحت براءة في ذمة الله....

 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مجتمع سلبي negative society

أسرى العالم الإفتراضي

أرواح شريرة.. evil spirits