العدالة العمياء - المشهد الأول

المشهد الأول
  
هـــــــو أولاً و أخيراً رجل شرطة من الطراز الأول .. مهندم يحتفظ بوسامته  رغم أنه تعدى العقد الخامس من عمره و أعطاه هذا الشارب سمة شخصيته القوية .. و بمجرد دخوله إلى حجرة مكتبه وقف الشرطي يلقى عليه التحية العسكرية المعروفة و هو يفتح له الباب فظهرت له صورة كبيرة  على الحائط فوق مكتبه و هو يرتدي البدلة الرسمية  برتبته العسكرية ... دخل و حرك كرسى المكتب ليجلس و هو يرفع سماعة الهاتف طالباً رقم سرعان ما رد عليه الطرف الأخر و أمره بأن يحضر الملف المطلوب فوراً ثم ضغط جرس أعلى المكتب ففتح الباب و دخل الشرطى المعين لخدمة سيادته و هو يلقى التحية العسكرية .. آفندم

طلب فنجان قهوته المعتاد في مثل هذا الوقت يومياً و إستجاب الشرطي و قبل أن ينصرف لتلبية الأمر أمره بإحضار الزبون ( مصطلح يطلق على أي متهم في أحداث سياسية ) ...... خرج الشرطي ليتوجه عبر الردهة الخارجية حتى نهاية الممر ثم دخل حجرة كانت  مظلمة فضغط مفتاح النور و ما أن أضاءت الحجرة حتى ظهر في أحد أركانها رجل ملتحي كثيف الشعر يجلس على الأرض  كان من الواضح أنه في حالة إعياء نتيجة الإرهاق ... أمره الشرطي بالتحرك معه .. فقام في صمت  و كان واضحاً أن  يداه مقيدتان بكلابش حديدي و مشى خلفه في صمت عبر نفس الردهة حتى وصل إلى حجرة ضابط الشرطة و قبل أن يطرق الباب .. خرج منصرفاً شرطي أخر كان يسلم الملف لسيادته ... دخل و هو يضع يده على كتف الرجل الملتحي قائلاً .. ( تمام يا فندم  )... فنظر له بنظرة يفهمها فقام بفك وثاق الملتحي  ثم أمره بالإنصراف فخرج الشرطي تاركاً الرجل الملتحي وهو يراقب عيون الضابط الذي كان يتفحصه أيضاً و هو يطلب منه بكل أدب بأن يجلس أمامه على المكتب فأطاع الرجل في إستكانة .. فأخرج الضابط علبة سجائر أجنبية و أخرج سيجارة يقدمها للرجل الذي رفض بكل تواضع و أدب معللاً بأنه لا يدخن .. فوضعها الضابط بين شفتيه وهو يشعل قداحته ليشعل تلك السيجارة و هو يبتسم و يقول في ألفة تظهر علامات الإستفهام ... غريبة أنا كنت أعتقد إنك تحتاج للتدخين لتخرج مشاعرك المحبطة .. فتنهد الرجل و هو يهمهم بأن التدخين يدمر الصحة .. فإبتسم الضابط و قام و وضع يده على كتفه و قال .. عايز تقول إنها حرام ... مش كدا.. صمت الرجل و لم يرد ...فعاد إلى مكانه على الكرسي  و هو يرمقه بنظرة فاحصة و قال إيه يا أبو سيد أنت خايف مني و لاا إيه ... فأسرع الرجل يقول حاشا لله ما يكون لي أن أخاف من بشر ... فأنا يا سيدي لا أخاف  إلا الله .. و أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتب الله لي ..... إلتفت الضابط مرة أخرى و عاد و هو يقول في سخرية ... عظيم .. و نعمة بالله يا عم سيد ..ثم أكمل ... شوف بأة يا عم سيد إنت بقالك معانا إسبوعين .. وعايزينك تروح لبيتك وعيالك .. لكن مطلوب منك إنك تعترف  و هنعتبرك شاهد ملك في القضية ... و قبل ما ترد خلي بالك مافيش مخرج ... يعني هتلبس هتلبس ... أنا كدا قولت إللي عندي  علشان ضميري يريحين ...و دي أخر فرصة متاحة ليك ... تنهد الرجل و أخرج زفيراً طويلاً .. يا فندم أنا سبق و قولت في كل التحقيقات سواء كانت في النيابة أو في أمن الدولة أو في المخابرات ... إني مليش أي علاقة بأي تنظيمات أجنبية و لا عمرى قبضت من حد و لا عمري كنت مرتبط بالسياسة أو مشاكلها ... أنا بكل بساطة تاجر عطارة ملتزم  في حياتي و ليست لي أو لأسرتي أي أنشطة سياسية  أو  حتى معارضين للنظام ..

فجأة صاح الضابط وهو يلقى عليه بالإتهام .. ( و بودرة  التي إن تي  إللى إتلقت عندك في المخزن ... جت منين و لا دي بودرة أيس كريم يا سيد ... تنهد الرجل و هو يعتدل و قال بهدوء ... أنا معرفش حاجة عن الأشولة دي .. أنا فوجئت زيكوا بالضبط .. و ماليش علاقة بأي آذى من ده .. و مقدرش أقول غير .. أفوض أمري لله .. إن الله بصير بالعباد ... فتح الضابط الملف المتواجد أمامه و هو يقلب في أوراقه ثم إلتقط صورة و هو يبينها للرجل و قال ... و صورة مين دي يا سيد .. قولي مش عارفها  برده .. مش أنت إللي متصور معاه .... رمقها الرجل بنظره ثم إستطرد قائلاً ده عم الطيب إدريس - تاجر العطارة السوداني و الذي يقوم بتصدير العطارة المطلوبة من السودان .... وكان في زيارة لمصر و كنت أستضيفه لمدة ثلاث أيام .. قمنا خلالها بإلتقاط بعض الصورة سوياًعند سفح الهرم  كذكرى ... .. و هنا قام الضابط و أسرع مقاطعاً كلامه و هو يضع الصورة أمام الرجل ... عم الطيب إدريس بتاعك ده يا سيد هو الشيخ سيف الإسلام .. أمير تنظيم ولاية راية الإسلام..  و أكبر رأس مطلوبة في الأجهزة الأمنية على مستوى العالم ... عمك إدريس ده ياما قتل أرواح إخوانا من جنود الشرطة و الجيش .. عمك إدريس ده مصنف أنه من أخطر 3 إرهابيين في العالم يا سيد.... عطارة إيه يا عم الحاج ... أنت متهم بأنك عنصر في خلية تكفيرية قامت بعمليات إرهابية من أجل قلب نظام الحكم في مصر .... أنا مضطر أصدر تعليمات بانك تترحل لمعتقل مصرانامو... بيتهيألي هناك هنعرف ناخد إعتراف منك .. طالماً حقوق الإنسان مش نافعة معاك ... فعاد الرجل يقول في ثبات .. أٌقسم بالله بأني برئ مما تتهمني بي و أسأل الله العظيم أن يثبتني على الصبر على هذا الظلم و الإبتلاء  و حسبنا الله و نعم الوكيل .... فنظر له الضابط بنظرة قاسية و هو يضغط على جرس المكتب ليدخل الشرطي  و ينظر له الضابط نفس النظرة المتعارف عليها بينهم فأخرج الكلابش الحديدي و قيد به الرجل و هو يجره من ياقة قميصه خارجاً ..

فإلتقط الضابط سماعة الهاتف و هو يطلب نفس الرقم  و قال في عصبية ... مافيش فايدة ... نفذ



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أضغاث أحلام

منقول.. لتنوير العقول

الفيتو