مشاعر خردة

الأحد، 19 مايو 2019

عجبــــاً لهذا الإنسان فهو يموج في كتلة من الجوارح و المشاعر يبقى مسئول عنها منذ وجوده في الحياه حتى نهايته .. إرتبطت المشاعر بالجوارح .. مثل اللسان و العين و القلب إلخ .. بإختلاف طبيعة الإنسان سواء كان مؤمناً أو عاصياً .. طيباً أو شريراً و تنوعت ما بين مشاعر الود و الألفة و بين مشاعر الغضب و الكراهية و الإنتقام مما يؤثر في ملامح  نفسه و تكوين شخصيته إلخ... و لأن المشاعر و الجوارح تختلف و تتنوع  من إنسان لآخر و تتحكم في ميوله و صفاته .. و ربما تكون سبباً في تعاسته أو سعادته في الدنيا والأخرة .. فإن كانت مشاعر طيبة نبيلة نقية فتكون سبباً لسعادته .. و أما إن كانت مشاعر حقيرة دنياوية أو كما أسميها مشاعر خردة .. فسوف تكون سبباً في تعاسته و أتصور أن أقرب مثل يمكن التشببه به بين النوعين هو الكلمة.. فإن كانت الكلمة طيبة كانت بمثل صدقة و إن كانت و العياذ بالله خبيثة قد يهوي بها الإنسان إلى أسفل سافلين .. و قد صورسبحانه و تعالى هذا في قوله  .. ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ....

فأما اللسان فيعتبر من ضمن الجوارح التي لها سلاح ذو حدين .. إما له و إما عليه .. لأن أساس الفطرة التي خلق عليها هي ذكر الله ( و أذكر ربك تضرعا و خفية) .. و عليه فإن صفته لا بد أن تكون في الخير و الأمر بالمعروف .. لكنه أحياناً يركن إلى الجهر بالسوء و بالباطل و بالطعن في الأعراض و بالغيبة و بالنميمة و بالكذب إلخ .. و كل ذلك يؤدي إلى طريق جهنم و العياذ بالله و كما قال صلى الله عليه و سلم ... إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات .. و إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقى لها بالاً تهوى به في جهنم .

   
و أما القلب الذي يعتبر من أرق الجوارح .. فرغم أنه مضغة لو صلحت لصلح الجسد كله .. لكنه أحيانا يميل و يصبو و يهوى في مشاعر مختلفة و تتسبب في الخروج عن طاعة الله أحياناً .. و هناك الكثير من الجوارح الأخرى التي سوف تنطق و تشهد عليه في الآخرة فلا يستطيع أن ينكر أو يكذب مثل جارحة الجلد  كما في قوله تعالى ..وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ..وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون.
و لذلك فإن التحكم في المشاعر و الجوارح ربما يكون نوع من انواع جهاد النفس و الله أعلم  فهو إبتلاء و إمتحان لإبن آدم في حياته حتى مماته و بعثه و في جميع الأحوال فإن كل ذلك مرتبط بطبيعة نفسه كانت خبثة أو أمارة بالسوء  .. فإما تكون هذه الجوارح سبباً في دخوله الجنة و إما تكون سبباُ في دخوله جهنم و العياذ بالله ..

   و هناك آدلة كثيرة في القرآن الكريم تتكلم على محاسبة الجوارح مثل قوله تعالى ... إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا.. و في إجتهاد الفقهاء لتفسير تلك الآية نجد أن هناك تفسيران لمعنى تلك الأية...الأول أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه فيسأل .. لماذا سمعت ما لا يحل لك سماعه..؟ ... ولماذا نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه.. ؟ ... ولماذا عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه.. ؟ ..


 و أما جارحة العين فقد أمرت بغض البصر كما في قوله تعالى .. قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم..  و كذلك قوله تعالى .. ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه .. لذلك فهي من أهم جوارح الإنسان .. فهي إما أن تنظر إلى ما حرم الله فتزني و تحتقر وتستكبر فتكتسب السيئات و تكون سبباُ في دخول جهنم و العياذ بالله أو العكس ...كمــــا أن هناك تفسير آخر خلاصته أن جوارح الإنسان هي التي تسأل عن أفعال صاحبها ، فتشهد عليه جوارحه بما فعل ... و هذا يعتبر غاية الخزي و العار للإنسان أو كما قال تعالى ... اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم و تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون .... و أيضاً قوله تعالى .... حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون ..
 و أخيراً و ليس آخراً فإن الإعتراف بالذنب أهون من التكبر و الجهر بالمعصية .. فالإعتراف في حد ذاته هو عنوان لمشاعر طيبة سقطت و تريد التوبة و العودة لفطرتها ... أما التكبر فهو ينم عن نفس خبيثة و قلب يمتلئ بالكراهية
    
 .... و خلاصة القـــول .... 
إنظر لنفسك و إكتشف كيف تتحكم في جوارحك و مشاعرك وتحاسبها و إحترس من المشاعر الخردة الجامحة التي تدفعك إلى الهاوية .. بل إتقى الله و كن مع المشاعر الطيبة النبيلة التي تروض جوارحك و حياتك في الدنيا بالذكرو الإستغفار.. إلا بذكر الله تطمئن القلوب .. و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و البغي حتى تسعد في الأخرة .. و تذكر دائماً قول الحسن البصري .. ليس الإيمان بالتحلي ولا الدين بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمرأة متعددة الوجوه

أضغاث أحلام

المتاهة