حدوتة على ضفاف النيل

رغم أنهم يطلقون عليه أحيانا لقب غدار.. و دائماً ما نرى إحساس القلق في عيون أهلنا و نسمع كلمات التحذير منه كلما غادرنا و أبحرنا ليلا.. إلا أن كنا نشعر بإحساس آخر مختلف فقد كان نهر النيل بالنسبة لثلاثيتنا يعني لنا الكثير و الكثير ..

 فقد كان أوفى صديق نشاركه و يشاركنا أجمل لحظات العمر.. تعلمنا على ضفافه الصبر و المودة و الرومانسية و رأينا كمية الخير التي لا توصف و كم الإحساس بمدى جمال نعم و خلق الله .. 

لقد كنا نرى فيه عظمة الخالق سبحانه و تعالى في إبداع صنعه و بهاء نعمه حولنا في المياه المتدفقة التي تحمل قاربنا الشراعي الصغير و الرياح التي تسوقنا عكس تيار المياه إلى المكان المنشود حتى نرسو بينما كانت السماء تدثرنا بقمرها و نجومها في لوحة بديعة من صنع و تدابير الله عز وجل.. 

كنا نقوم بالإبحار عكس إتجاه الريح فيشتد شراع القارب الصغير و هو يشق المياه بسرعة نحو الجنوب فتنقسم الأمواج متتالية في نظام هندسي بديع حتى نلتقي  في مكان خاص بنا بعيدا عن إزعاج البشر و ضوضاء المدينة و همومها خصوصا بعد منتصف الليل حيث الهدوء و السكون إلا من ذكر الله أو الصلاة على رسول الله عند إصطياد إحدى أسماك نهر النيل.. 

كان لكل منا دور على القارب من يقود الدفة و من يقوم بالتجديف و من يقوم بإلقاء خطاف المرسي و أحيانا نتبادل الأدوار كفريق عمل واحد خصوصا عن التحرك إلى عدة أماكن في النهر لإكتشاف أفضل مكان للصيد و كان النهر شريكنا الرابع و كان من أجمل و أوفى و أكرم الأصدقاء ينصت إلينا دائما و يشاركنا أفكارنا و أحلامنا بل و أحيانأ  يلهمنا الحكمة و كأن الله سخره لنا ليزيل عنا آلام و شقاء الحياه و أفعال حثالة البشر ممن نراهم حولنا  ..  

هكذا كنا ثلاثتنا نبحر معه ليلا كل عطلة إسبوع حتى صباح اليوم التالي.. و كان لا رابع لنا إلا هو و  القمر و نجوم الليل تعانقه بينما كان بريق كوكب الزهرة يلمع في الأفق البعيد في حين كان ماء النهر يشق طريقه قادما من الجنوب بفطرته و برائته حتى يبدأ في التلوث على ايدي حثالة البشر من ضعاف النفوس و فقراء المبادئ ممن يلوثون كل شئ جميل ...

كنا نستمتع بمتعة الصيد و ما أجمل أن تشعر بقمة المتعة بينما ترى السمكة و هي تقاوم صنارتك تحاول الهروب و تستمر المقاومة معها حتى تفوز بالحصول عليها كلا حسب رزقه في تلك الليلة لتكون وجبة عائلية طبيعية في اليوم التالي من أجمل و ألذ ما تشتهي النفس في عصر غلب عليه غش الأسواق .. 

و بعد أن يبدأ نهار يوم جديد و تبدأ أسراب الطيور تحلق في السماء تبحث عن رزقها نبدأ في العودة إلى  أدراجنا إلى مشتل الزهور المكان الذي يرسو فيه القارب ثم إلى منازلنا ثم إلى روتين الحياه الممل و الذي ليس له طعم أو لون منتظرين بفارغ الصبر و الإشتياق نهاية الإسبوع لإعادة الإبحار مرة آخرى في مياه نهر النهر لنلقي إليه بهمومنا التي حدثت لنا طول الأسبوع نتيجة التعامل مع مشاغل الحياه و بعض الأشخاص من البشر ممن يبتسمون في وجهك و ينتظرون ان تلتفت خلفك ليطعنوك بخناجرهم في ظهرك سواء في مجال عملك أو تعاملك.. 

في الواقع كنا نحترق شوقا و لهفة إنتظاراً لعطلة الإسبوع لنرتمي في أحضان صديقنا النهر الذي  لا يجف أبدا من مشاعر النبل التي تفيض  فتمحي ذنوب و معاصي  هذه القلوب التي تتلون دائماَ و لا تعرف لهم دين أو وطن .

فلا يبكي عليك إلا من كان أوفى صديق دموعا تنساب بين ضفتيه فيروي بها قلوبنا العطشى آملين و داعين الله ان يصلح بقية القلوب الفاسدة ..

أنه إحساس لا يشعر به إلا جزء صغير من البشر ممن مات لديهم إحساس الجمال بعظمة الخالق مما تشغلهم الدنيا بفتنها.. 

  





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمرأة متعددة الوجوه

أضغاث أحلام

المتاهة