الرحلة الأخيرة

تواعدوا على الذهاب لقضاء يومين في رحلة صيد في منطقة جبل الزيت على ساحل البحر الأحمر كعادتهم دائما كل فترة زمنية  و لم يكن يدور في خلد بعضهم أبدا إنها ربما تكون رحلتهم الأخيرة في الحياه

وصلت السيارة فى الساعات الأولى من الفجر عند المكان المحدد حيث كان يتواجد مجموعة من الشباب محبي الصيد و المغامرات و كانو يتهيأون لنزول البحر بزودياك مطاطي مجهز للإبحار و ممارسة رياضة الصيد رحبوا بالضيوف و سرعان ما تم نصب الخيمة الخاصة بهم بجوار خيمة المتواجدين السابقين 

ثم قاموا بتجهيز أنفسهم عتادا و عدة و تحضير الزودياك الخاص بهم ثم بالفعل بدأوا بتشغيل موتور الزودياك و للإبحار داخل مياه البحر وإختفوا داخل البحر لأكثر من ساعة أو أكثر بقليل حتى عادوا بلا صيد و قد بدأت الريح في زيادة قوتها خوفا من غدر البحر و الإنتظار هدوء الرياح الهواء ....

و فعلا إستقرت الرياح العاتية و هدأت الأمور فعادوا للإبحار مرة آخرى و إختفوا عن الأنظار حوالي ساعتين حتى ظهروا مرة آخرى و عادوا إلى الشاطئ و لكن كانت هذه المرة بصيد وفير.. كانت سمكة ترن حوالي ثمانية كيلو جرامات ( ما شاء الله ).... 

تعاونوا على تجهيز و  إشعال نيران لطهي السمكة التي تم صيدها لوجبة الإفطار و كانوا يتسامرون في سعادة حول النيران فرحين بصيدهم الثمين في أول أيام الرحلة

إنتوا من طهي السمكة الكبيرة ثم قام وائل بإستخدام خنجره في تقسيم قطع اللحم في أطباق من الفويل ليتنا لها إبراهيم صديقه لتجهيز مكان تناول الطعام و رص الأطباق و أرغفة الخبز و مياه الشرب في حين ذهب وائل لدعوة الشباب الذين وصلوا قبلهم بيوم مشاركتهم الطعام و لكنهم رفضوا في عزة نفس متعللين بأنهم بالفعل تناول أ الإفطار منذ قليل فعاد وائل لزملائه و قام بتجهيز ثلاثة وجبات عبارة عن أرغفة مليئة بلحم السمكة المشوية و عاد مصمما مشاركة الطعام مع الآخرين ظنا منه إنهم ربما يخجلون منهم أو متحرجون لكنهم إعتذروا متعللين. بأنهم بالفعل تناولوا  الطعام حالا و لكن أمام إصرار وائل و زملائه كانوا مضطرين لقبول دعوة المشاركة في تلك الوليمة.. 

و بدأوا بتناول الطعام أعجب أحدهم بمذاق لحم السمكة و سأل عن نوع السمكة فخمن أحدهم بأنها ربما تكون محسنة أو أى نوع أخر مشابه في حين قام أحدهم بملاحظةوجود قطعة جلد محترق في مناسبه فقام بتمرير أصابعه عليه فإكتشف بخبرته في صيد البحر الأحمر بأنه لحم سمك القراض السام فتوقف فورا عن الطعام و صرخ فيهم بالتوقف عن تناول الطعام و حذرهم بشدة بأنها ربما تتسبب في موتهم.. 

نظر الجميع لبعضهم البعض بينما إستمر أحدهم في تناول اللحم معبرا عن اعجابه بطعم اللحم و أنه لا يمكن أن يكون ساما في حين توقف بعضهم عن تناول الطعام حرصا على حياتهم.. بينما تناول وائل الكثير من اللحم ثقة في خبرته في تناول ذلك اللحم سابقا أكثر من مرة.. 

عاد الجميع كلا إلى خيمته لتناول قدح من الشاي و القهوة و لم تمضي نصف الساعة إلا و بدأ احدهم يشتكي أعراض التنميل فى الشفاه و الأسنان وأطراف الأصابع وألم طفيف فى القلب و كان أكثرهم تناولا للطعام .... فقام الشاب مكتشف نوع لحم السمكة بطمأنته و نصحه بشرب ماء البحر الترجيع و بدأ القلق يظهر على الجميع خاصة بعد أن بدأ وائل يصرخ من آلام شديدة في جوفه و هو يسأل عن دواء لعلاج مغص البطن ظنا منه أنه من أعراض البرد لإبحارهم في وقت مبكر من صباح اليوم.. و لكن الشاب حدثه بأن ما يشعر به من أثار تناول لحم سمكة القراض و يجب أن يشرب من مياه البحر بسرعة فصاح وائل بغضب و هو ينفي ذلك لأنه إعتاد تناول تلك السمكة مرارا سابقا و لم يصب بأية أعراض منها.. 

و بدأت الأعراض تشتد عليه فأسرع إلى مياه البحر المالحة يتجرع منها و بدأ في الترجيع ثم الشعور بالتنميل الشديد في أنحاء جسده في حين ظهر الرعب و القلق على وجوه الجميع.. فهم في مكان بعيد عن أماكن الخدمات و المستشفيات و يحتاجون مبدأيا للإسعافات الأولية.. 

أسرع أحدهم يبحث في هاتفه عبر الإنترنت عن أسباب أعراض تناول لحم تلك السمكة و إكتشفوا أنها بالفعل سامة جدا بل و تقتل تناولها في خلال ست إلى ثمان ساعات إن لم يتم بسرعة إسعاف 

و عليه قرروا التحرك فورا إلى مدينة الغردقة أقرب المدن أداء للخدمات على أمل وجود علاج أو مصل يعالج تلك الأعراض التي أصابت وائل و إثنان آخرين في حين تولى قيادة السيارة احد الشباب الذي لم يتناول معهم الطعام ليتولى القيادة حتى إذا حدث شيئ يستطيع أن يتصرف وطلبوا من وائل أن يأتى معهم لكنه رفض بإصرار شديد معانا و رافضا لفكرة ان يكون لحم السمكة ساما.. و لكنه اقترح ان يحضروا له أحد الأمصال لتناول في حال إشتداد الأغراض عليهقال لاء بس هاتولى حقنة معاكم ....أخذنا رقمه وذهبنا إلى الغردقة وطول الطريق كنا نطمئن عليه بالتليفون فيرد أصدقاؤه ( لسة تعبان ) ( مش قادر يأخذ نفسه ) قولت لهم طيب خدوه على غارب أقرب من الغردقة ... 


وصلنا إلى الغردقة ودخلنا مستشفى الغردقة العام وأخبرناهم بما حدث فقالوا لنا إذهبوا إلى مستشفى طب الأعماق ( تابعة للجيش ) فخرج علينا طبيب مجند وطمئنا وقال كل واحد هايأخذ حقنة والأمر هايستقر بعدها والأعراض ستختفى تدريجيا ... وعدنا فى طريق العدودة لجبل الزيت فتم الإتصال بوائل فرد علينا أحد أصدقاؤه وقال إن الأمر إزداد صعوبة ....فإتصلوا بنقطة الإسعاف المتواجدة خارج منطقة جبل الزيت قالوا لهم أحضروه ... فخرجوا به إلى النقطة وقبل الوصول كان قد نفذ أمر الله .


من بعد ذلك والصديق حسن بدأت حالته تتدهور ( قيئ مستمر وعدم سيطرة على أعصابه ) فرجعنا إلى المستشفى مرة أخرى فقال الدكتور إذهبوا به إلى مستشفى السلام لعمل تحليل غازات الدم وتقدير الحالة فذهبنا به ولكن دون جدوى فأخبرنى الإستشارى أن الموضوع يحتاج إلى أخذ عينة وإرسالها إلى مركز السموم بالقاهرة ( فإندهشت ) ( القاهرة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ) ومتى ستعود نتيجة التحليل والعينة والمصل


فوجدت نفسى أنفجر فى الطبيب ناقما على المنظومة الطبية والإستهتار بأرواح الناس وكيف أنهم فى مدينة ساحلية ولديهم مستشفى متخصص بطب الأعماق والمفروض أنهم على دراية بأنواع السموم الخاصة بالأسماك ولابد من وجود أمصال ومضادات لهذه السموم ثم فى الأخر يقول أنهم سيرسلونها إلى القاهرة ( تفكير عقيم ومنظومة مخجلة ) ذهبنا بالتقرير إلى المستشفى العام وأدخلناه للعناية الحرجة فى الأستقبال فسألنى الدكتور ماذا حدث ؟ قلت له بإختصار شديد ( تسمم من سمكة ) فأمر بعمل أشعة مقطعية على المخ ظنا منه إنها جلطة بالمخ وأمر بوضعه بالعناية المركزة لمتابعة حالته ....


وظللت مع صديقى حسن فى غرفة العناية المركزة ( بإعتبار أنها عناية مركزة ) ولكن الإهمال والقذارة والإستهتار والذباب والحر كانوا مسيطرين على هذه الغرفة .... وبعد علمى بوصول جثة وائل إلى المستشفى ( الدنيا إتقلبت ) ( شرطة ومباحث ونيابة وطب شرعى وسين وجيم ) طلبونى لأخذ أقوالى فمكثت معهم ما يزيد عن النصف ساعة ثم ذهبت إلى العناية مرة أخرى للإطمئنان ( وكنت بين نارين .... محمد يرقد فى الإستقبال حالته متوسطة وحسن فى العناية حالتة حرجة )


فتوجهت إلى العناية وجدت الممرضة تقول لى أنها لن تستطيع إدخالى فطلبت الدكتور فلم أجده ... ثم عثرت عليه حوالى الساعة الثانية بعد منتصف الليل وقال لى أن حسن قد توقف قلبه لمدة ما بين عشر دقائق وربع ساعة وقاموا بعمل صدمات كهربائية للقلب وعاد إلى العمل مرة أخرى وهو الأن على جهاز التنفس الصناعى .... 


تدهورت الأحداث سريعة مفاجئة متلاحقة وأحسست وقتها أن الله قد رتب لنا كل هذا لتنفيذ أمره ونفاذ مشيئته .


قمت بالإتصال بأصدقائنا مع بزوغ الفجر للحضور ومتابعة حالتنا جميعا لأنى لا أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك لنا جميعا .... ( موقف لا أحسد عليه ,,, وساعات مرت كالدهر ) 


جاء صباح اليوم التالى وقالبت مدير المستشفى وعرفت أنه على علم تام بما حدث لنا فأخبرنى بأن حالة صديقى فى غابة السوء وأن سم هذه السمكة يؤثر على أعصاب المخ والجسد ويعمل على توقف عضلات الرئتين ويقوم بخنق الجهاز التنفسى .............................. 


فحاولت أن أطلب منه نقل صديقى إلى القاهرة بسيارة مجهزة أو طائرة مجهزة ... قال لا يمكن إخراجه من تحت جهاز التنفس الصناعى وألا سوف تتحمل مسئولية موته .


وهكذا عدت إلى القاهرة وكلى أمل فى العودة اليوم بعد أن علمت أن هناك مؤشرات إيجابية بتحسن الحالة ( إنضباط الضغط وطلب المستشفى عمل تحاليل معينة ) وإمتلأت بالأمل أن الله سوف يرفع البلاء ويخرجنا من هذة الأزمة .


وفى تمام الثامنة والنصف صباح اليوم أبلغنى صديقى محمد أنه قد نفذ أمر الله ولا معقب لحكمه 


( إنا لله وإنا إليه راجعون ) .... ما أصعب الفراق ... وما أصعب الذكريات الجميلة التى تنتهى بالفراق ... وما أصعب أن تفقد صديق عمرك فى لحظات ولا تملك أن تفعل له شيئا ينقذه ( اللهم لا إعتراض ) ..


ملحوظات : 

ــ الإهمال المتعمد فى التعامل مع المرضى ( شيئ لا يوصف ) 


ــ منظومة الطب فى مصر فاشلة ( كيف حتى عام 2015 لا يوجد مصل أو ترياق لسموم الأسماك مع وجود مركز يسمى طب الأعماق المفروض انه متخصص فى هذه الكائنات السامة ويجب أن يكون لديهم أمصال ومضادات لهذه السموم ) ولكنهم أعطونا حقن مضادة للحساسية وحقن مسكنة !!!!!!! 


ــ التوعية بين الناس يجب أن تكون على أعلى مستوى من هذه الأسماك السامة وطريقة التعامل معها 


ــ مدينة ساحلية وبها أجانب وسياحة ودايفينج وسنوركلينج وبحر به مجموعة أسماك شديدة السمية وإذا حدث بها حالات تسمم تقوم بإرسال عينات الدم لعمل مزرعة إلى القاهرة وإحضار الأمصال بعد أكثر من سبع ساعات ؟؟؟ ( البقاء لله فى الطب المصرى ) 


ــ جميع الأسماك التى لا تعرفها وتخرج معك فى السنارة يجب عليك أن ترجعها فورا إلى البحر لأنها حتى بعد موتها يمكن أن تصيب من على المركب بشوكها ويتسمم دون أن يدرى 


ــ سمكة القراض ( الأرنب ) من الأسماك التى خلقها الله للحفاظ على البيئة البحرية فهى تأكل الأعشاب والطحالب السامة حتى لا يأكلها السمك العادى وتختزن السموم فى الكبد وفى عرق فى الرأس وتحت الجلد ... وحباها ربنا جل فى علاه بأسنان قاضمة بحيث تقضم السنار أو الخيوط حتى لا يصطادها الصيادون ... ولكن الصيادين يصرون على صيدها بالأرمة الصلب والواير ( فلا تلومن إلا نفسك ) ولا تضحى بحياتك من أجل صيد سمكة قاتلة .


آمن بالآية التى قال فيها ربنا عز وجل 

( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ).

صدق الله العظيم


رحم الله أمواتنا وأموات المسلمين ونرفع خالص العزاء إلى أسرة الريس وائل السكرى وأسرة الصديق الغالى حسن رزق ولا أراكم الله مكروه فى عزيز لديكم.

---------------

ننعاهم ببالغ الاسي والحزن سائلين المولي ان يتغمدهم بواسع رحمته


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمرأة متعددة الوجوه

أضغاث أحلام

المتاهة